تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
عن لب معناه إلى طرف من أطرافه ؛ لأن الحرف أصله الطرف دون اللب والوسط فهم يتجهون إلى التعلق بغير لب القول . والتحريف إمالة القول إلى غير معناه ، وهذا هو النوع الثاني ، وقال الراغب الأصفهاني في مفرداته ونص كلامه « تحريف الكلام » أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين . قال عزّ وجل :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ . . .
( 13 ) [ المائدة ]
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ . . .
( 41 ) [ المائدة ]
وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
( 75 ) . والتعريض ب « ثم » يفيد البعد المعنوي بين ما سمعوه وعقلوه ، وتدبروه ، وعرفوا غايته ، وبين التحريف الذي حرفوه مما يدل على فساد نفوسهم ، وضلال قلوبهم . وأخبر سبحانه وتعالى أن التحريف من بعد ما عقلوه ، وعرفوه عرفان الخبير المدرك ، الفاهم ، لا أنهم حرفوا عن غير علم ومن غير معرفة بمدلولات الألفاظ ومراميها ، ومقاصدها ، وغاياتها ، فتحريفهم بقصد التضليل ، ومن يقصد التضليل يكون قلبه مصروفا عن الحقائق فلا يدركها ، ولا يذعن لها إن أدركها ، بل هو يصد عن سبيلها . ثم أكد سبحانه وتعالى سوء مقصدهم ، وغاية عملهم ، فقال تعالى :
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أي وهم يدركون الكلام الذي سمعوه ، ويعرفون مرماه ومقصده ، ومع ذلك يحرفونه آثمين فاسدين مفسدين . هذا على اعتبار أن الذي خاطب الفريق محمد صلى اللّه عليه وسلم وأتباعه . ويجب في مقام ذكر معاني هذه الآية أن نذكر أمورا ثلاثة : أولها : أن الذين حرفوا القول عن مواضعه فريق منهم ، وليسوا جميعهم ، فكيف يكون اليأس من إيمان كلهم بعمل فريق والجواب عن ذلك أن الفريق الذي سمع أرضى بقوله الفريق الذي لم يسمع ، بل إن الفريق الذي لم يسمع كان معرضا