تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
وإنه يزكى ذلك المعنى أنه شبه حالهم في آية أخرى بالقردة والخنازير لا بالقردة وحدهم ، وذلك في قوله تعالى في سورة المائدة :
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ
( 60 ) [ المائدة ] . ومعنى خاسئين . . أي مبعدين يقال خسئ أي بعد ، وخسأته أبعدته ، والمعنى بعيدون عن مواطن العزة ورضا الله تعالى ، لأن الشهوة والعزة نقيضان لا يجتمعان فالشهوات مطية الذلة والهوان ، ولا يهون إنسان إلا إذا هانت نفسه ، وصارت أمة للشهوات . إن الله تعالى جعل تلك القرية التي كانت مكان الفسق عن أمر الله تعالى نكالا وموعظة فقال تعالى :
فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها
. النكال المنع والزجر ، والنكل القيد ، والأنكال القيود ، لأنها تمنع . والفاء للإفصاح ، كما ذكرنا في غير ذلك الموضع ، والضمير في قوله تعالى :
فَجَعَلْناها نَكالًا
، يعود إلى العقوبة أي جعلنا هذه العقوبة التي كان من مقتضاها أن يفقدوا معاني السمو الإنسانى ، والارتفاع عن حضيض الحيوانية الأوهد ، وقيل : إنها تعود على القرية التي كان فيها ذلك الاعتداء ؛ لأنها حاضرة في الذهن ومشار إليها بذكر الذين اعتدوا منكم في السبت ، أي والقرية التي كان فيها الاعتداء ، فهي إن طويت في البيان ملاحظة في المعنى ، وهكذا يفسر القرآن بعضه بعضا ، وما يطوى في مكان يصرح به في مكان آخر ، تعالت كلمات الله تعالى . وقد أنزل سبحانه وتعالى بسبب هذه الشهوات الجامحة الخارجة عن مقتضى الطبع الإنسانى عذابا شديدا من الذل بعد العزة ، ومن الضيق بعد السعة ، ومن الشدة بعد الرخاء ما جعلها عبرة لمن بين يدي الحاضرين ، ومن يجئ بعدها من الناس ، وعبر سبحانه وتعالى عن الحاضرين بقوله تعالى :
لِما بَيْنَ يَدَيْها
كناية عن وجودها معهم ، وأنها على مقربة منهم ، قرب ما بين اليدين من الصدر ، والذين تحوطهم ويحوطونها .
زهرة التفاسير — صفحة 263 | محمد أبو زهرة