تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
أتجعلنا بأمرك في موضع الهزء والسخرية ، وذلك لما ألفوه من أن البقرة مقدسة لا تذبح بل تعبد ، وإذا لم تكن عندهم هذه الحال فإنه لا موضع لأن يستهزأ بهم ، ولا أن يسخر منهم بذكر أمر الله تعالى . فقال موسى كليم الله :
أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
( 67 ) كانت إجابتهم لأمر الله تعالى خروجا عن طاعته بأغلظ القول وأفظه ، فأجابهم الرسول الرفيق ، فقال : أعوذ بالله تعالى أن أكون من الجاهلين ؛ أي ألجأ إليه عائذا به ، متجها إليه أن أكون من الجاهلين ، لأن الجاهل هو الذي يجعل الهزء والسخرية في موضع الجد وبيان أمر الله تعالى ، ونفى سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وصف الجهل ، ولم يكتف بنفي الفعل ؛ لأنه أبلغ وبيان أنه لا يليق بنبي من أنبياء الله تعالى : أولى العزم من الرسل ، وبالغ عليه السلام في نفى الجهل بنفي أن يكون من زمرة الجاهلين لما يجب على الرسول من بيان أمر الله تعالى . وإن ذلك الجواب القاطع كان جديرا بأن يمنعهم من اللجاجة والمراوغة في الاستجابة لأمر الله تعالى ، ولكن لأن نفوسهم متأثرة بأوهام المصريين ، استمروا في لجاجتهم ومراوغتهم عساهم يجدون مناصا للخروج من هذا الأمر الجازم قالوا :
ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ
يقولون لنبي الله موسى : ادع ربك واضرع إليه الذي رباك وكوّنك أن يبين لنا ما هي ، وصيغة السؤال هكذا استفهام عن ماهية البقرة وحقيقتها وكأنهم لم يروها ولم يعرفوها ، ولم يكونوا مع الذين كانوا يعبدونها ، ولكن نبي الله الحكيم ، أجابهم بالأسلوب الحكيم ، وهو ما ينبغي أن يكون السؤال عنه فقال عليه السلام بهداية من الله تعالى :
إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ
والفارض هي التي فرضت سنها أي أنها حطت سنها ، وبلغت نهايته ، أي كانت طاعنة في السن ، ولا بكر : ليست صغيرة ، أي أنها بقرة وسط ليست صغيرة ولا كبيرة ؛ ولذا فالعوان بين ذلك أي وسط بين الصغر والكبر المفرط ، ويظهر أن تلك كانت أوصاف عجل أهل مصر ، وقد قال موسى بأمر ربه
فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ
( 68 ) بلا لجاجة ولا مراوغة ، ولا محاولة الإفلات من أمر الله تعالى .
زهرة التفاسير — صفحة 266 | محمد أبو زهرة