تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
وقد أشرنا إلى أن المستنكر هو الحال المجتمعة من دعوة إلى الخير وعدم العمل مع التذكير الدائم ، أما الأمر نفسه فلا إنكار فيه ، وقد تكلم الناس في أن من وقع في المعاصي أيجوز له أن ينهى عنها ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، أم يطهر نفسه من المعاصي ، ثم يتولى الإرشاد ؟ إن الحق أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب بنفسه ، تركه معصية كغيره ، ووقوعه في معاص غيره لا يسوغ له أن يتركه ، فيقع في معصية الترك ، نعم إن الموعظة نصابها الألفاظ ، كما قال الغزالي في إحدى رسائله ، ولكن الموعظة في ذاتها لا تحتاج إلى نصاب ، وقد قال سعيد بن جبير التابعي ، الشهيد في الحق الآمر بالمعروف : إذا كان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يكون ممن يقع في معصية ، فلن يكون هناك داع إلى الخير . ولكن مع ذلك يجب أن يروض المؤمن نفسه دائما على ألا ينهى عن أمر يقع هو فيه ، فيمتنع عن النهى عن المنكر ، ولكن يمتنع عن أن يقع فيما نهى عنه ، كما حكى الله عن نبيه شعيب عليه السلام :
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
( 88 ) [ هود ] . وإن الواعظ الذي لم يكن يتعظ بوعظه يحاسب على إهماله بأكثر مما يحاسب عليه غيره ، ويحاسب أشد من كان يعلم الحق ولا ينطق به ، فيحرم الموعظة والاتعاظ ويحاسب من بعد حسابا عسيرا ، ولقد روى عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الله يعافى الأميين يوم القيامة ما لا يعافى العلماء » « 1 » وروى : أنه « يغفر للجاهل سبعين حين يغفر للعالم مرة واحدة ، ليس من يعلم كمن لا يعلم » « 2 » .
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ، من حديث عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن سيار بن حاتم بن جعفر بن سليمان الضبي عن ثابت عن أنس ، « والضياء » المقدسي في المختارة من هذا الطريق « عن أنس » بن مالك . ( 2 ) الترغيب والترهيب - الترهيب من أن يعلم ولا يعمل بعلمه ج 1 ص 72 . .