تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
ويستنكره الله تعالى عليهم ، وإنكار الواقع توبيخ ، وبيان أنه لا يصح ، ولا ينبغي أن يكون ، والبر هو الخير ، وهو ضد الإثم ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم عرف الإثم بأنه « ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس » « 1 » . والنص استنكار لحالهم من أنهم يأمرون الناس بالخير ، وينسون أنفسهم ، أي يتركونها من غير توجيه إليه ، ويكونون بمنزلة من ينسونها ، ولا يفكرون في أمرها ، مع أن دواعي التذكير والتفكر في ذات أنفسهم قائمة لأنهم يتلون الكتاب ؛ ولذلك قال تعالى في هذا النص السامي :
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ
أي وأنتم تجددون تلاوته آنا بعد آن ، فالاستنكار للحال التي يجتمع فيها الأمر بالخير والحث عليه مع ترك أنفسهم لا تفعلها ، وكأنهم نسوها ولم يذكروها ، والمذكر دائم مستمر ، وليس الاستنكار للبر مجردا عما لابسه من حالهم ، لأن الأمر بالبر في ذاته ليس بمستنكر ، ولا يمكن أن يكون مستنكرا ؛ لأنه دعوة إلى الحق ، ولا تنكر الدعوة إلى الحق في ذاتها . وإن حالهم من دعوة إلى الحق مع نسيان أنفسهم ، وتركه مع استمرار التذكير به ، وكان ينبغي مع التذكير التذكر - لا يغفله الذين يفكرون ويعملون عقولهم ؛ ولذا قال سبحانه :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
والاستفهام هنا للتنبيه إلى مناقضة حالهم للعقل المدرك . والعقل مصدر عقل بمعنى منع ، ثم أطلق على ما يكون به الإدراك السليم لأنه يمنعه من القبيح ، ويعقله ويقصره على الجميل ، ومعنى الاستفهام ، أن حالهم هي حال من لا عقل له ولا إدراك ، و ( ألا ) هنا - كما ذكرنا - للاستفهام والتنبيه إلى نفى ما وراءه ، والفاء فاء السببية أي بسبب هذه الحال يحكم عليهم بأنهم لا يعقلون ، وأخرت الفاء عن الهمزة لأن الاستفهام له الصدارة ، فهي مؤخرة عن تقديم .
هامش
( 1 ) رواه مسلم : كتاب البر والصلة ( 4632 ) ، وأحمد : مسند الشاميين ( 16973 ) . من حديث نواس بن سمعان الكلابي الأنصاري . وبنحوه رواه الترمذي والدارمي .
زهرة التفاسير — صفحة 216 | محمد أبو زهرة