تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
والمعنى الجملي للنهي ، لا تخلطوا الحق الذي جاء في شرع موسى عليه السلام بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه بأيديكم ، كما توهمتم في التوراة التي بأيديكم من أن هارون عليه السلام عبد العجل مع الذين ضلوا منكم ، فهم يخلطون بين الحق والباطل ، فيلتبس الحق ، وتختفى معالمه ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ، ونهاهم عن أمر آخر ، يقع منهم ، وهو أن يكتموا ما أنزل الله تعالى ، فإنهم يعملون عملين : أولهما : أن يخلطوا الحق بالباطل ، فلا يدرك الحق على وجهه ، ولا يعرف صريحه مما اختلط به ، وكذلك شأن المضللين يأتون ببعض الحق ، ويخلطونه بالباطل ، فيختفى نور الحق ببهرج الباطل . الثاني : أنهم يكتمون الحق الذي لا التباس فيه ، ولم يستطيعوا أن يخلطوه فيكتموه ككتمانهم البشارة بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكتمانهم تحريم الربا وقد نهوا عنه ، وغير ذلك مما حرم كتمانه ، وكاستباحتهم ما حرم عليهم يوم السبت ، وغير ذلك . وقد نعى الله تعالى عليهم ذلك الكتمان للحق ، فقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ( 159 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( 160 ) [ البقرة ] . وإنهم إذ يكتمون الحق من الكتاب يفعلونه متعمدين قاصدين التضليل ؛ لأنهم يعلمون ما يلبسون به الحق بالباطل ، ويعلمون ما يكتمونه ؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى :
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
الحق فيما لبستم به ، وتعلمون الحق الذي كتمتموه قاصدين كتمانه . وقوله تعالى :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
. قوله تعالى :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
معطوف على قوله :
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
أو بالأحرى معطوف على قوله تعالى :
اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ