تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
وبعد ذلك التحريض والحث على الاتباع ، وبيان أنهم إن اشتروا بالحق شيئا فهو ثمن قليل ، بعد ذلك حذرهم من ترك الحق ، وخوفهم من عاقبة هذا الترك ، فقال :
وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ
تحذير من المخالفة بالتقوى والخوف من الله سبحانه وتعالى والمعنى : وإياي فاحذروا
فَاتَّقُونِ
النون هنا نون الوقاية التي تكون بين الفعل وياء المتكلم ، والفاء جواب عن شرط مقدر أفصحت عنه ، والمعنى إن كان هناك من يتقى عذابه ومن يجب أن تكون وقاية بينكم وبينه ، فاتقونى أنا وحدى ، أي اجعلوا بينكم وبين عذابي وقاية تقيكم من عذاب النار . أمرهم سبحانه وتعالى أن يؤمنوا بالحق وهو الكتاب الذي أنزل مصدقا لما معهم ، وهو القرآن الذي نزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم وإن الأمر بالإيمان بالقرآن أمر بالإيمان بمن نزل عليه القرآن . وإن اليهود من دأبهم التمويه ، ليصلوا من وراء ذلك إلى باطلهم ؛ ولذا قال تعالى ناهيا لهم :
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
. اللبس معناه الخلط ومزج شيئين بعضهما ببعض ، حتى لا يميز أحدهما عن الآخر ، ولبست الحق بالباطل أي خلطت بينهما ، بحيث لا يميز الحق عن الباطل الذي اختلط ، فلا يدرك إلا مشوبا بالباطل ، فلا يكون الحق واضحا لا تحوطه الريب والظنون ، ويقال إن الرجل ملبوس عليه إذا اختلط عليه الحق بالباطل ، ولقد روى عن علي كرم الله وجهه لبعض صحابته : ( يا حارث إنه ملبوس عليك ، إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله ) . واليهود قد غيروا في كتبهم ، فلبسوا الحق بالباطل فنهاهم الله عن ذلك ، وقال تعالت كلماته :
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ
وقد روى عن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما في تفسير هذه الآية أن معناها : لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل ، وهو التغيير والتبديل .