وهنا مسألتان نتكلم فيهما قد تبينان ناحية من نواحي الآية الكريمة :
الأولى - أن الله تعالى يقول :
وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ
والخطاب لجماعة لا لواحد ، فالظاهر من سياق القول أن يقال أول الكافرين به ، ولكن الله تعالى اختار التعبير بالمفرد ، على تقدير الفريق ، والمعنى لا تكونوا أول فريق يكفر به ، أي لا تكونوا أول من يجتمع على الكفر به ، باعتبارهم موحّدين في الفكرة والغاية ، وأنهم يتضافرون فيما يفعلون ، وإن المراد تقبيح أن يقع منهم فعل الكفر ، أو أن يقع فيهم الكفر ، لأنهم أهل علم بالنبوة ، وفي ذلك إغراء لهم بالاتباع وحث لهم على الإيمان لأنهم أولى به وأجدر .
الثانية - أنهم إن كفروا فلن يكونوا أول الكافرين لأن قوما من قريش قد كفروا به من قبل في مكة ، وهذه الآية في سورة مدنية فكيف ينهون عن أن يكونوا أول كافر به ، ونقول : إننا فسرنا أول كافر بأول فريق يكذب به ، وإن قريشا لم يكفروا على أنهم فريق ، بل كفروا به آحادا ، ثم كان منهم من يؤمن ، وقيل إن المراد أول كافر به من أهل الكتاب .
ومهما يكن من تخريج ، فالآية الكريمة تحث على المسارعة في الإيمان ، وأن يكونوا أول الجماعة المؤمنة .
قوله تعالى :
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
أي لا تستبدلوا بآياتي القائمة المبينة للحق ، وتتركوها في نظير أي أمر من الأمور ، فهو مهما يكن ثمن قليل بالنسبة للآيات البينات الدالة على الحق ؛ لأن الحق أغلى ما في الوجود ، فإذا ترك فإن ثمن تركه لا يمكن أن يكون في منزلته ، والتنكير في قوله تعالى :
ثَمَناً قَلِيلًا
للدلالة على أن أي ثمن - مهما يكن - قليل بالنسبة لذات الحق ، وأنهم كانوا يتركون الحق لمآرب دنيوية ، وهو السلطان والغلب والمفاخرة ، وغير ذلك مما تدفع إليه أهواء أهل الدنيا .