وهذا يدل على أن الذي نزل على موسى ، وبقي عندهم من تعاليمه يصدق ما في هذا الكتاب ، إذ التعاليم واحدة في أصلها وفي لبها ؛ ولذا قال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم : « لو كان موسى بن عمران حيا ما وسعه إلا اتباعى » « 1 » .
وإن التوراة التي نزلت على موسى فيها التبشير بمحمد صلى اللّه عليه وسلم :
يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ . . .
( 157 ) [ الأعراف ] وإن قوله تعالى :
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ . . .
( 48 ) [ المائدة ] وقوله في هذا النص الكريم :
مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
لا يدل على أن التوراة الحاضرة صادقة لم يعترها تحريف ولا تبديل ، فإن القرآن قد نص على التحريف ، إذ يقول سبحانه وتعالى :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ . . .
( 13 ) [ المائدة ] وقال تعالى :
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . . .
( 78 ) [ آل عمران ] وإذا كانوا يريدون أن يستدلوا من القرآن على صدق ما عندهم ، فليأخذوا به كله ، لا أن يتعلقوا بحرف مما جاء فيه ويستدلوا به .
وإن معنى
مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
، أي ما بقي معكم من غير تحريف ولا تبديل وهو الرسالة الموسوية في أصلها ومعناها من عبادة الله وحده ، ومن إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، ومن تبشير بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهم يعلمون . كما قال تعالى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ . . .
( 146 ) .
وبعد أن طالبهم الله تعالى بأن يؤمنوا بما أنزل من كتاب بين لهم أنهم جديرون بأن يسارعوا إلى الإيمان لمعرفتهم ما جاء فيه من الحق ، وأن يكونوا أسوة للمشركين الذين لم يؤتوا علم الكتاب ، ولم تكن لهم البينات التي عندهم ، فقال سبحانه :
وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ
، أي : لا تكونوا أول من يكفر به .
وأول « أفعل » في وزنه ، والبصريون يقولون إنه لا فعل له ، والكوفيون يقولون إن له فعلا ، هو من وأل إذا نجا ، ف « وأل » فعل بمعنى نجا وخرج ومنه اشتق أول .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد : ما في مسند المكثرين ( 14014 ) ، والدارمي : المقدمة ( 436 ) بنحوه . .