تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
كان إبليس عند أمر الله تعالى له مع الملائكة ، ولنا أن نقول إنه ليس مما خلقهم تعالى من مادتهم ، فإنه خلق من نار كما حكى الله تعالى عنه إذ قال :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
( 50 ) [ الكهف ] . وإذا لم يكن منهم ، فإن الاستثناء يكون منقطعا ، ولكن الخطاب موجه إليه لصحبته لهم . والسجود الذي أمر الله تعالى به ما هو ؟ قال بعضهم : إنه الخضوع وهو يستعمل في كلام العرب بمعنى التذلل والخضوع ، وليس السجود الذي يعد من أركان الصلاة ، ومن المعنى اللغوي قوله في سورة يوسف :
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً . . .
( 100 ) [ يوسف ] أي دخلوا في حكمه . ولقد قال تعالى في الخلق في سورة أخرى :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
( 29 ) [ الحجر ] فهل يدل هذا على أنه كسجود الصلاة ؟ الجواب عن ذلك أنه يدل على كمال الخضوع له سبحانه وتعالى ، بما يدل على الخضوع الكامل بالانحناء له ، وإذا كان يوهم أنه كسجود الصلاة ، فليس عبادة لآدم ولكنه إطاعة الله تعالى : وإن كان آدم كالقبلة ، فالعبادة تكون للآمر وهو الله تعالى لا لمن اتخذه كالقبلة وكان كأنما السجود له . ومهما تكن حال السجود ، والعلم الجازم بها عند الله تعالى ، فإن الأمر به دليل على تكريم الله تعالى لآدم أبى البشر ، وأن له اختصاصا بالتكريم على الملائكة الأطهار الأبرار ، كما أمر الله تبارك وتعالى الذي خلق الفريقين ، وميز بين العالمين . وإبليس الذي كان من الجن خرج عن طاعة الله ففسق عن أمر الله مستكبرا بغير مسوغ للكبر ؛ لأنه زعم أن أصل خلقه خير من أصل خلق آدم ، فهو خلق من نار ، وآدم خلق من طين ، والله تعالى خالق المادتين ، فهو يفاخر ويعاند بأمر خلقه الله تعالى الذي أمره بالسجود ، فكان في أشد أحوال الغفلة ، وصح أن يقال فيه إنه أشد من خلق الله تغفيلا ، وكذلك كان أتباعه من بعده ، فهم في غفلة عن الحق دائما .