قبل العالم الثالث ، وهو الإنسان ، بدليل أن الملائكة ذكر الله تعالى لهم أنه جاعل الإنسان خليفة ، وأنهم عجبوا أن يكون خليفة في الأرض من يفسد فيها ويهلك الحرث ، وبدليل أن إبليس الذي كان من الجن عصى ربه ، فلم يسجد ، وقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين .
والإنسان خلق فيه العقل المدرك الذي يرفعه إلى درجة الملائكة ، وخلق فيه الشهوة والهوى اللذان يجعلانه مفسدا فيها ويهلك الحرث والنسل ، وذلك وجه استغرابهم .
ولنذكر القصة الكاملة الحقيقية التي يصور الله تعالى فيها خلق هذا العالم الثالث ، وهو الإنسان .
أعلم الله تعالى الملائكة - وهم جمع ملك - بأنه سيجعل في الأرض من يسكن ظاهرها ، ويحكم فيها ، وينسل فقال :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
، أي يكون ساكنا فيها بالخلافة عمن كانوا فيها ، ولم يذكر سبحانه وتعالى من كانوا فيها أهم كانوا من الملائكة أم كانوا من الجن ، أم كانوا خلقا آخر ، ولقد ترك الله سبحانه وتعالى ذكر من خلفهم ، فلنسكت عما ترك ، ولا نرجم بالغيب ، حتى لا نطلب ما ليس لنا به علم .
وقد يقال إن
خَلِيفَةً
معناها الخلافة عن الله تعالى في الأرض ، بمعنى أن الله تعالى بما أعطاه من قوة العقل والتفكير والتدبير ، والسيطرة على نفسه ، وعلى ما في الوجود ، في الأرض ، التي خلفه الله تعالى عليها ليكون خليفة خلافة نسبية عن الله تعالى ، والله تعالى غالب على كل أمره ، وأموره .
قد يكون هذا هو الظاهر ، أو أن
خَلِيفَةً
معناه أنه وجنسه خلائف يخلف بعضهم بعضا ، كما قال الله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ . . .
( 165 ) [ الأنعام ] .