وعندي أن ما أشرنا مرجحين له : وهو أنه خليفة عن الله تعالى وهي خلافة نسبية ، ترك الله تعالى له الخلافة ، ليبلوه فيما ملكه من منافع الأرض التي خلقها جميعا له .
ذكر الله تعالى لملائكته أنه جعل له تعالى خليفة في هذه الأرض ، ويظهر أن الله تعالى أعلمهم بطبيعة هذا العالم الثالث في هذا الوجود من أنه أوتى عقلا مدركا ، وشهوة قد تكون طاغية ، وأنها إن طغت أفسدت ، وأهلكت .
ولذلك قالوا لربهم مستغربين : أتجعل فيها من يفسد فيها ، لأنه ركبت فيه الشهوة وإذا غلبت أفسدت ؛ وإن الشهوات إذا تحكمت كانت الأثرة ، وكان التنازع ، ومع التنازع سفك الدماء ، ولذا قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ ! وقد كانوا مع اعتقادهم في الإنسان ذلك الاعتقاد أشاروا إلى أنهم أولى منه بالخلافة في الأرض من غير أن يعترضوا على الله تعالى في حكمه ، بل أبدوا استغرابهم من أن الله تعالى يتركهم إلى المفسد السافك للدماء ، وهم المسبحون بحمد الله المقدسون له ، . فقالوا مقابلين بين حالهم وحال الإنسان ،
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
أي نحن نذكرك مديمين بحمدك على ما أنعمت ، لأن ذاته العلية تستحق الحمد في ذاته ،
وَنُقَدِّسُ لَكَ
أي نعظمك وننزهك لك أنت . أي : لأجل ذاتك العلية .
يبين الله تعالى لهم ، أن الله يعلم ذلك ، فيعلم أحوالهم وأنهم في تسبيح دائم ، وتقديس ملازم ، ولكن في الإنسان ما يجعله جديرا بالخلافة في الأرض ليبلوه فيما آتاه الله تعالى من خيرها ، فهو يعلمه ويعلمهم ، ويعلم الجدير منهم بأن يجعله في الأرض ؛ ولذلك قال تعالى ردا لاستغرابهم بقوله :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
أعلم الجدير بما أعطى وغير الجدير .
وقد بيّن اللّه تعالى ما أودعه نفس الإنسان من العلم بالأشياء أو الاستعداد للعلم بها ، أو أودع نفسه الاستعداد بعلمه بالأشياء كلها مما لا يعلمون هم ، فقال تعالى :