تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
إلى الهدى ، فهما مثلان متلاقيان غير متباينين ، كل واحد منهما يصور جانبا من جوانب المنافقين ، الأول يصور الحق كنور رأوه ، ولم يهتدوا به ، والثاني كماء الحياة ينزل عليهم وسط نذر وإرعاد وإبراق ، فلم يرتدعوا به ، فهم لم يهتدوا بنور هاد ، ولم تردعهم النذر والآيات . والصيب هو الماء ينزل ، وهو وزن فيعل من صاب يصوب بمعنى نزل ، فأصلها صيوب اجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ك « سيّد » و « ميّت » ، وغير ذلك مما يشابهها من كلمات في التصريف ، واللفظ في القرآن له فصاحة وبلاغة قائمة بذاتها ، فصيب تدل على ماء نازل بقوة تقرع الرؤوس قرعا ، وينبههم على الماء الذي جعل الله تعالى منه حياة كل شئ . والسماء ما أظلك ، ولما ذا أسند إلى السماء ، والمطر ينزل منها دائما ؟ ونقول إن ذكر السماء يدل على أمرين ، أحدهما - أنه نازل من السماء ، وليس من العيون والينابيع ، فإن ماءها لا ينزل ، ولكن يخرج سلسبيلا ، وثانيهما - للإشارة إلى أنه يجئ من عل ، فينصب انصبابا . ووصف سبحانه الماء ، وهو يمطر وابلا بأن فيه ظلمات ، وهي جمع ظلمة ، وقد تكاثفت هذه الظلمات فاجتمع فيها ظلمة الدّجنّة « 1 » الحالكة ، وظلمة السحب الداكنة ، وظلمة الليل الدامس ، وظلمة الانهمار الذي ينصب على الرؤوس انصبابا ، وفيه رعد وبرق ، وفيه صواعق تصك آذانهم صكا شديدا ، وتفزعهم ، حتى إنهم يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت ، خوفا من أن يموتوا . وهذا تصوير للنذر التي كانت تأتيهم مع ماء الحياة الذي يحييهم عساهم أن يهتدوا بالنذر إذ لم يهتدوا بالحق في ذاته ، وقد كان نورا قد أشرق .
هامش
( 1 ) الدجنّة من الغيم : المطبّق تطبيقا ، الريّان المظلم ، الذي ليس فيه مطر ؛ يقال يوم دجن ، ويوم دجنّة ، وكذلك الليلة على الوجهين ، بالوصف والإضافة . ( الصحاح - باب النون فصل الدال ) .