وفي الحلية « 1 » : إن ذكر الأصابع مع إرادة بعضها فيه بيان عظم الهول في نفوسهم واشتداده على حواسهم حتى أصابتهم رعدة الخوف ، وظنوا الظنون من هول ما يرون ، وقوله تعالى :
حَذَرَ الْمَوْتِ
أي خوفا من الموت ، فهي مفعول لأجله ، والصواعق جمع صاعقة ، وهي ما ينزل من السماء من نار ، في الرعد والبرق .
وهنا يسأل سائل : هل جعل الأصابع أو أطراف بعضها في الآذان يمنع الموت عنهم ، فيحذرونه بوضع الأصابع ، والجواب عن ذلك ، أن التعليل ليس لمجرد وضع الأصابع ، بل هو تعليل للحال التي هم عليها ، والتي كان وضع الأصابع في الآذان أثرا من آثارها ، أو مظهرا من مظاهرها . فهي ذعر دائم من ظلمات متكاثفة من سحاب داكن ، وليل معتم ، وأمطار منهمرة ، ورعد وبرق وسحاب ، حتى توهموا أن وضع الأصابع في الأذن فلا يسمعوا صوت الصواعق والرعد - قد يدفع الموت .
فهم يفعلونه حذر الموت .
وقد بيّن سبحانه من بعد ذلك أن الله تعالى محيط بهم ، والإحاطة معناها هنا السلطان والاستيلاء والقوة ، فيقال أحاط به السلطان أي أخذه ، ولم ينج منه ، وهي مجاز يراد به ألا يفوتوه ، وقد تطلق الإحاطة ويراد بها الهلاك ، كما قال تعالى :
إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ . . .
( 66 ) [ يوسف ] أي تهلكوا فمعنى
وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ
أي هم في قبضته ، إن أراد أهلكهم ، كما قال تعالى :
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ . . .
( 67 ) [ الزمر ] .
والمعنى على ذلك : إنهم يحذرون الموت ، ولا حذر منه ، ولا ينجيهم الحذر ، فإن الله تعالى محيط بهم ، لا يفلتون ، وذكر الكافرين هنا لأنهم كافرون أمقت النفاق ، فذكر وصف الكافرين إرهاب لهم أشد إرهاب ، وأنه جزاء ما يفعلون في الدنيا ، ويستقبلون في الآخرة عذابا أليما عظيما .
هامش
( 1 ) حلية الأولياء لأبى نعيم .