وهنا يجب أن نتكلم في الرواية التي تقرر أن ملكا هو الذي يكوّن الرعد والبرق ، فالخبر لم تروه الصحاح ، ولم يروه إلا الترمذي ، ومن المقرر أن الأخبار إذا خالفت العلم الضروري القاطع أوّلت ، أو كان ذلك دليلا على ضعفها لضعف متنها ، فقد قال الغزالي : إذا خالفت النصوص ما قرره علماء الكون والطبيعة على أنه حقيقة مقررة تؤول النصوص إذا خالفتها ، وإذا كانت حديث آحاد ردت نسبته إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم .
وعلى ذلك فنحن نفسر القرآن الكريم في قضية الرعد والبرق والصواعق بما تقرر في العلم ، ولا نحسب أن حديثا ثابت السند ، ولو حديث آحاد خالف ذلك .
وقد صور الله سبحانه وتعالى قوة الصواعق في قرعها الشديد للآذان بقوله :
يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ
.
وإن الإنسان عندما يقرع أذنه قارع شديد ، لا يضع أصابعه كلها في أذنه ، بل يضع فقط طرف إصبعه السبابة فلا يجعل في أذنه جملة أصابعه ؛ ولذلك كان في الكلام مجاز لاستحالة الحقيقة ، ويعدون ذلك من المجاز المرسل بإطلاق اسم الكل وإرادة الجزء ، وإن إطلاق اسم الكل وإرادة الجزء كثير في الاستعمال العربي ، وفي القرآن الذي هو أبلغ الكلام ، فقد قال تعالى :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ . . .
( 6 ) [ المائدة ] ، ولا يراد الأيدي كلها ، بل يراد بعضها ، وقال تعالى :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ . . .
( 38 ) [ المائدة ] ولا تقطع اليد كلها في حد السرقة .
ويقرر الغزالي أن إصبع السبابة هي التي تسد الأذن بطرفها ، ثم يقول : فإن قلت : إن الأصبع التي تسد بها الأذن إصبع خاصة فلم ذكر الاسم العام دون الخاص ، قلت : لأن السبابة فعالة من السب ، فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن ، ألا ترى أنهم قد استسبحوا بها فكنوا عنها بالمسبحة .