تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
تعقبها ظلمة شديدة كقولهم : « للباطل صولة ثم يضمحل ، ولريح الضلالة عصفة ، ثم تخفت » فهي إضاءة شديدة لهم ، ثم ذهب الله بنورها لينتفع غيرهم ، أما هم فلا ينتفعون ولا يهتدون . وإذا كان الله تعالى قد أخذ النور وذهب به ممسكا له غير مرسل إلا لمن يهتدى فقد تركهم بعد ذلك في ظلمات لا يبصرون . وعبر بالجمع ، فقال ظلمات للإشارة إلى تكاثف الظلمات في النفاق ، فإن المنافق في حال كذب مستمر ، إذ إنه دائما يظهر غير ما يبطن ، وذلك كذب ، فحال المنافق كذب مستمر ، وهم يدهنون في القول ، وهم يمالئون الظلم ، ولا ينتصرون للحق ، ودأبهم الإفساد في الأرض والسعي بنميم بين الناس ، وإرادة الأذى المستمر ، وكراهيتهم للناس ؛ ولذلك لما ذهب عنهم نور الحق ، تركهم الله تعالى في ظلمات متكاثفة لا يبصرون حقا ، ولا يدركونه ، ونفى الله تعالى عنهم الإبصار بالفعل المضارع ، لتجدد العمى عليهم ، وعدم الإبصار بتكرار أفعالهم المظلمة الدائمة . وعدم الإبصار هو عدم الإدراك ، فلهم آذان لا يسمعون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل . وأنه قد سدت كل مدارك إدراك الخير ، قد اشتروا الضلالة بالهدى ، وأنهم إن استوقدوا بسبب استغراق الفساد لنفوسهم تنطفئ نار الحق فيهم ، ويصطحب النور ، ويستمسك به لغير ، فسدت عليهم أبواب الحق لا يسمعون إذا دعاهم ، ولا تنطق به ألسنتهم إذا خوطبوا ولا يرون طريق الهدى ، فيبصروه ؛ ولذا وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
. وإذا كانت لهم آذان فهم لا يسمعون بها ، وإذا كانت لهم أعين فهم لا يبصرون بها ، وإذا كانت لهم ألسنة فهم لا ينطقون بها في حق قط .