ولقد كان المنافقون يفسدون في الأرض بين الناس ، والفساد في الأشياء أن تخرج عما خلقت له إلى ما يضر ، والصلاح استقامتها حتى تكون في دائرة النفع الإنسانى العام ، والمنافقون في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم وفيما بعده من العصور شأنهم الفساد ، ومن كانوا في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم قد وضح فسادهم ، واستشرى شرهم ، فهم قد كفروا بالحق إذ جاءهم ، وأنكروا كتاب الله تعالى ورسوله الأمين ، وقد عرفوه ، ومشوا بالنميمة والسعاية بين الناس ، وكلما أطفأ الله نارا للحرب أوقدوها ، ومالئوا المشركين على المؤمنين ، وإذا خرج المؤمنون للقتال عملوا على أن يهموا بالفشل ، يعرفون ضعفاء المسلمين ويغرونهم بالتخلف ، يبتغون الفتنة بين المؤمنين ويقلبون الأمور لإثارتها ، كما قال تعالى :
لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ
( 48 ) [ التوبة ] .
ولقد قال ابن جرير في تفسيره في بيان إفسادهم : أهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم ، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه ، وتضييعهم فرائضه ، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته ، وكذبهم على المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه ، مقيمون على الشك والريب ، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا ، فذلك إفساد المنافقين في الأرض ، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها ، فهم يحرضون المشركين على المؤمنين ، ويتفقون معهم ، ويدلون على عورات المؤمنين ، ومقاتلهم ، وهكذا .
ويسأل سائل : لما ذا قال سبحانه وتعالى :
فِي الْأَرْضِ
ونقول : إن ذلك لبيان عموم فسادهم ، وأنه يتناول المدينة وما حولها . وأن الأرض موطن فسادهم ، يثيرون الحروب فيها ، ويشيعون الشر في ربوعها .
وقوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ
مع البناء للمجهول للإشارة إلى عموم شرهم ، وأن الناس جميعا يتساءلون : لما ذا كان ذلك الفساد ؟ وأي مأرب لهم فيه ؟ ،