وهكذا كل المعاصي والذنوب التي هي أمراض القلب ، من اختارها ، فقد اختار الضلالة كلما سار فيها ازداد بعدا عن الحق وعن الطريق القويم فيوغل في المعاصي ، لا يعود ولا يتوب .
وقد بين الله تعالى عاقبتهم ، فقال :
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي عذاب مؤلم شديد ، فأليم هنا بمعنى مؤلم ، يصيب أجسادهم يوم القيامة كقوله تعالى :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . .
( 117 ) [ البقرة ] أي مبدع السماوات والأرض يعنى منشئها على غير مثال سبق ، فيكون لهم جزاءان أحدهما دنيوي ، وهو متولد من النفاق نفسه إذ يكونون في اضطراب لا يستقرون على قرار ، ولا يطمئنون ؛ إذ الغل والحقد والحسد يقتل نفوسهم قتلا ، ويستمرون على ذلك ، حتى يكون هذا مرضا خبيثا يسكن نفوسهم ، حتى ينغص عليهم كل حياتهم ، وتكون كل نعمة تنزل بأهل الإيمان والحق نقمة عليهم .
الجزاء الثاني هو العذاب الشديد المؤلم الذي ينالهم يوم القيامة ، وهو ينتظرهم ، وهم واردون عليه بلا ريب ، ولقد بين الله سبحانه وتعالى سبب ذلك العذاب الذي هو الجزاء الثاني فقال تعالت كلماته :
بِما كانُوا يَكْذِبُونَ
فالباء هنا باء السببية ، أي بسبب الكذب المستمر الذي كانوا يقومون به ، ف « كانوا » هنا دالة على الاستقرار والدوام ، كما في قوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
( 70 ) [ الفرقان ] وكما في قوله تعالى :
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
( 72 ) [ الأحزاب ] .
فمعنى
بِما كانُوا يَكْذِبُونَ
، بسبب كذبهم المستمر الذي لا ينقطع ، وقد اتصفوا بالكذب : ( 1 ) فكذبوا على أنفسهم ، فكلما بدا لهم ضوء الحق طمسوه ، وغروها الغرور ، وخدعوها بأنهم أهل الحق ، وموهوا عليها ، كما موهوا على الناس ، فصارت في عماء ، وغلبت عليها شقوتها .
( 2 ) وكذبوا على الرسول وأصحابه ، وقالوا آمنا بالحق وباليوم الآخر .