وإنهم إذ يخادعون المؤمنين بإظهارهم الإيمان ، وإبطانهم الكفر ، إنما يخدعون أنفسهم ، بأن يظهروا لغيرهم الإيمان وأمرهم مكشوف غير مستور ، وحالهم معروف ، وكفرهم يبدو في لحن أقوالهم ، فهم يحسبون أنهم يخفون على غيرهم أمرهم ، وهو معروف لغيرهم ، فهم المخدوعون أنفسهم ؛ ولذلك قال تعالى :
وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
، أي أنهم يحاولون أن يخدعوا غيرهم فيظنوا أنهم ستروا كفرهم وهو مكشوف لمن يخدعونهم ، وأن المؤمنين يعاملونهم بما يظهرون حتى يكون يوم الدين ، فهم المخدوعون ؛ لأنهم يعاملون كأنهم مسلمون حتى ينكشف أمرهم ، ولكنهم لا يشعرون ، أي لا يحسون بأنهم مخدوعون مغرورون وأمرهم بيّن . والله من ورائهم محيط .
وإن في ذلك القول الحكيم تصويرا دقيقا لحال المنافقين ، إذ إنهم لفرط ضلال نفوسهم ، وفقدهم الإيمان تفسد مداركهم ، وتضل أفهامهم ، فيحسبون أمرهم خفيا على غيرهم وما هو بخفى ، وتأخذهم عزة النفاق ، فلا يدركون ويستمرءون كذبهم ونفاقهم ، حتى يغتروا فيحيط بهم الضلال وهم لا يشعرون .
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ
الآفات الاجتماعية والنفسية أمراض تصاب بها النفس الإنسانية ، وهو ضعف يرد إلى النفوس ، وأفحش هذه الأمراض النفاق ، فهو ضعف يصيب النفوس يبتدئ من أحقر الأفراد إلى أن يصل إلى أعلاها ، ولا يظن أن النفاق يكون فقط لجلب نفع آثم ، أو لدفع ضرر جاثم ، بل هو ضعف نفسي يحيط بالإنسان ويتغلغل في نفسه ، وإطلاق كلمة
مَرَضٌ
هنا ، يصح أن يكون من قبل الحقيق ؛ لأن المرض هو ما يؤذى النفس ، ويلقى بها في الضعف ، وليس ذلك مقصورا على المرض الذي يصيب الجسم بل هو يشمل ما يصيبه في أعصابه ، كالجنون الذي يستر العقل ، وكالعته الذي يمنع الإدراك ، وكالسفه الذي لا يدرى النفع من الضرر ، فهذه كلها أمراض ، وتعد