فالآية الكريمة وصف لحالهم
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا
فهي وصف لحالهم وما يرتكبون ، فعملهم عمل المخادع الذي يخادع الله والذين آمنوا بأن يوهمهم ويخادعهم فيظهر الإيمان ويبطن الكفر والعداوة وتربص الدوائر ، ويحسب أنه يخادع الله ورسوله والمؤمنين . والمخادعة مفاعلة بين اثنين كلاهما يريد خدع صاحبه ، والمفاعلة بين أولئك المنافقين من جانب والله ورسوله من جانب آخر ، وكيف يخادعون الله ، وهو علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض ؟ وكيف يخادعهم الله تعالى وهم في قبضته ، وكل من في السماوات والأرض في قبضته يوم القيامة ؟ وقد أجاب الزمخشري عن ذلك فقرر أن الله تعالى يعاملهم معاملة المؤمنين ، فيتزوجون ، ويرثون ، ويعاملهم كأنهم المؤمنون الصادقون في الإيمان ، فهم يخادعون بإظهار ما لا يبطنون ، والله تعالى يعاملهم بما يظهرون ، ولا يعاملهم بما يبطنون ، أو يقال إن المعنى أنهم ينزلون بالمؤمنين ما يحسبونه مخادعة لهم ، وإيهامهم بأنهم آمنوا ، وما هم بمؤمنين ، أو يقال إن المخادعة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ومن معه ، وهم يعاملونهم معاملة المخادع لهم ، وإن كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعلم من لحن قولهم خفىّ أمرهم كما قال تعالى :
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ . . .
( 30 ) [ محمد ] .
والمعنى في الجملة بعد أن خرّجنا المخادعة تلك التخريجات المختلفة أنهم يظهرون ما لا يبطنون محاولين أن ينزلوا بالمؤمنين ما تكون كالمخادعة ، وقرر ذلك الراغب الأصفهاني في المفردات فذكر أن الخداع للرسول صلى اللّه عليه وسلم وأوليائه من المؤمنين ، وفي التعبير عن ذلك بخداع الله تعالى إشارة إلى أن الذين يخادعون النبي إنما يخادعون الله تعالى ، وأن الله تعالى كاشف أمرهم لنبيه صلى اللّه عليه وسلم وأنهم إذ يضارونه ، ويخفون عليه أمورهم ، يبطنون عنه سبحانه وتعالى ما لا يبدون وهو من ورائهم محيط .