أولئك ، وإن كانوا داخلين فيهم ؛ لأنهم جمعوا مع هذه الأوصاف أوصافا أخرى ، فكانوا أشد عند الله مقتا ، وأبعد في الفساد والأذى ، ذلك أنهم زادوا المراءاة والاستهزاء بالمؤمنين ، وبث روح الفشل فيهم ، وموهوا ، وعادوهم أشد من عداء الآخرين ، وحاربوا في العقيدة والفساد بأشد مما حاربوا فكانوا يحاربون بالعداوة يسرّونها فتكون أفعل وبإشاعة التردد وبث روح الهزيمة عند الإقدام ، وبإشاعة المآثم والمفاسد في الذين آمنوا .
هنا يسأل سائل : كيف ينفى عنهم وصف الإيمان ، وقد كانوا يعرفون النبي صلى اللّه عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ، كما قال تعالى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ . . .
( 146 ) [ البقرة ] وأنهم كانوا يستفتحون على المشركين بنبي جاء أوانه ، وأدركهم زمانه . كما قال تعالى :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ . . .
( 89 ) [ البقرة ] .
وإذا كانوا كذلك فهم يعرفون النبي ! فكيف يكون قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر ، ليس فيه إيمان ، ومنفى بقوله تعالى :
وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
؟ ونقول في الجواب عن ذلك : إن الإيمان ليس هو المعرفة المجردة ، إنما هو التصديق والإذعان والتسليم ، وهؤلاء مع معرفتهم الحق في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم وكانوا من اليهود ، فلم يذعنوا ولم يسلموا ، ولم تصل المعرفة إلى تصديق ؛ ولذلك نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عنهم بقوله تعالى :
وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
أي ليسوا مؤمنين . واليوم الآخر وهو يوم القيامة ، وما يجرى فيه من حساب ثم ثواب أو عقاب .
فالله سبحانه وتعالى أكد نفى إيمانهم بالجملة الاسمية ، أي أنه سبحانه نفى الإيمان وأصله عن ذواتهم ، كما أكدوا هم في نفاقهم الإيمان بالله ، وباليوم الآخر ، بتكرار الباء في بالله وباليوم الآخر .