تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
وهنا إشارة بيانية إلى أن المنافقين ليس من شأنهم الإيمان بشيء ؛ لأن الإيمان بشيء من الأشياء يقتضى الإذعان والتصديق والتسليم ، والعمل بموجب الاعتقاد والاستجابة ، والمنافق قلبه غير مستقر ، ولا مطمئن إلى شئ ، هو قلب خاو ، والحقائق تتردد فلا تسكن ، ولا تدفع إلى عمل ولا اطمأن ، فلا يؤمن بشيء ، ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين غنمين ، لا تدرى إلى أيهما تذهب » « 1 » ، وقال تعالى في وصفهم :
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ . . .
( 143 ) [ النساء ] ومهما تكن حالهم فهم أشد الكفر عنادا وعنتا وخبثا ومقتا عند الله ورسوله ، وعند الناس أجمعين . ولقد يبلغ النفاق أن يغلب على نفوسهم ، فيظنون أنهم يخادعون الله ، ويحسبون أنه ليس عليما بخفايا نفوسهم ؛ ولذلك قال :
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
الخدع : أن يظهر الشخص أنه يريد أمرا ليخفى إرادته الحقيقية ، ومقصده ، ومن ذلك ضبّ خادع إذا أخفى نفسه في جحره ، وقد أراد أن يضلل من يراقبه ، فأظهر الخروج من باب ويختفى في غيره . وكذلك حال أولئك المنافقين أرادوا أن يظهروا الإيمان أو أظهروه ، وهم يبطنون الكفر ، ولا يريدون غيره ، بل يريدون تضليل المؤمنين ، كحال ذلك الضب الخادع الذي يوهم مراقبه أنه خارج من ناحية ليختفى في ناحية أخرى ، فالنص الكريم تصوير لحالهم في فعلهم من إظهار الإيمان لأهل الإيمان ، وإبطانهم الكفر ، وتبادل كلماته فيما بينهم كما قال تعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 76 ) [ البقرة ] وفي آية أخرى :
وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
( 14 ) [ البقرة ] .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
زهرة التفاسير — صفحة 123 | محمد أبو زهرة