تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
وعبر عن ختم قلوبهم وسمعهم بجمع القلوب ، وإفراد السمع ؛ لأن الأسباب التي تغلق القلب متعددة ، بتعدد أصناف الهوى ، فكأن كل واحدة تسكن قلبا ، وتتعدد القلوب بتعدد ما ملأها من أهواء ، وتتضافر هذه الأهواء ، وأفرد السمع ؛ لأنه طريق واحد ، وجارحة واحدة ، ونور الحق واحد ، وصوته واحد ، ولكن لا يسمع . والوقف على قوله تعالى :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
وقوله تعالى :
وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
فإن ختم القلوب يكون على القلب ، وعلى السمع ، أما الأبصار ، فإن عليها غشاوة ، وتكرار
عَلى
في قوله :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ
للدلالة على تقوية الختم ، وتأكيده بحيث لا يصل إلى النفس منه شئ عن طريق القلب المدرك أو السمع الواعي . وقوله تعالى :
وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
الغشاوة الغطاء الذي يحول بين البصر والرؤية ، وذكر الأبصار بالجمع بدل الإفراد لتعدد المبصرات الموجهة التي يتوجه البصر إليها ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات أوتاد ، وماء ينزل من السماء ، ومرسلات حاملات للرياح ، وخلق مجدد مستمر ، وحياة وموت ، قال تعالى :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
( 20 ) [ الغاشية ] وهكذا تتعدد المبصرات ، وفيها الآيات البينات الدالة على قوة القادر على كل شيء ، القاهر فوق عباده . فلتعدد هذه المبصرات ذكرت الأبصار بالجمع لا بالمفرد ، والله بكل شيء محيط . ولقد ذكر الله تعالى عقاب أولئك الكافرين الذين لا تجدى معهم النذر ، ولا يجدى معهم بيان الحق في ذاته ، وقد طبع الله تعالى على قلوبهم التي شعبتها الأهواء ، وعلى سمعهم فلا يستمعون للحق ، ووضع الله على أبصارهم غطاء يحول