والتعبير ب
عَلى هُدىً
بالتعدية بعلى إشارة إلى العلو على الهدى والتمكن ، كما يقال : ركب فلان متن الغواية أو علا على الهداية ، فكأنه صار مستمكنا عليها لا يفارقها ، ولا تفارقه . فأصحاب هذه الصفات العالية ينالون الهداية ولا يزايلونها ، فهم في هداية دائمة مستمرة .
وقوله تعالى :
مِنْ رَبِّهِمْ
معناها أن هذه الهداية جاءتهم من ربّهم الذي ربّهم وكونهم ووفقهم إلى سبيل الخير والعمل الصالح ، والإيمان واليقين باليوم الآخر ، فإسناد الهداية إلى أنها من الرب الكريم بيان لشرفها واستمرارها مع تمكنهم منها ؛ لأنها من رب هذا الوجود الذي ربّه ونماه وهذبه وأعلاه .
وهنا إشارتان بيانيتان :
إحداهما : الإشارة بالبعيد لوجود اللام ، والبعد هنا بعد المنزلة ، وعلوها وشرفها ، فهؤلاء الأتقياء الأطهار الذين نزهت نفوسهم ، وسامتوا « 1 » أعلى العلاء ، يشار إليهم بالبعيد إعلاء وتشريفا وتكريما .
الثانية : تكرار اسم الإشارة أولئك ، ففي هذا التكرار بيان تنويع الفضل الذي حكم الله تعالى عليهم ، فهو قد حكم سبحانه وتعالى عليهم حكمين كريمين أولهما : الهداية الكاملة الدائمة التي نالوها ، وركبوا متنها وعلوا عليها ، والحكم الثاني : أنهم ينالون الفوز ، والفوز هنا هو الفوز في الدنيا بعلوّ نفوسهم ، واستقامتها ، والاتجاه إلى معالى الأمور ورضا الله تعالى ، وهو أكبر جزاء ، فرضوان من الله أكبر ، والفوز في الآخرة بالنعيم المقيم .
وقد أكد سبحانه وتعالى ذلك الفلاح الذي ينالونه بالجملة الاسمية ، فالتعبير بالجملة الاسمية يدل على دوام الفلاح ، وأنه دائم بدوام من يعطيه ، وهو رب
هامش
( 1 ) سامت الشئ : قابله ووازاه وواجهه . [ الوسيط - س م ت ] .