على أن ذلك كله وصف للمتقين ، فهم لإيمانهم بالحق ، وخشوع قلوبهم يتقبلون الهدايات السماوية مذعنين غير معاندين ولا منحرفين ، وإن المتقين يشملون من اتصف بتقوى الله تعالى مصغين إلى تكليفه ، مؤمنين بغيبه مقرّين بحق عباده ، وهم من كل خلق الله ، لا فرق بين عربى وكتابي ، ولا من كان أصلا وثنيا ، أو كان يهوديا أو نصرانيا ؛ فمن اتقى الله واستقام على الجادة وآمن بالغيب واتجه إلى ربه ، فالآية تشتمل عليه ، ولا يخرج عنها ، فالعموم أولى وأوفق مع السياق من الخصوص .
والذي أنزل إليك في قوله تعالى :
يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
هو القرآن الكريم ، وما اشتمل عليه من تكليفات وشرائع ، وما جاء به من أخبار الماضين ، وقصص الغابرين ، ولقد قيل إن القرآن لم يكن قد نزل كله ، فكيف يكون الإيمان به قبل نزوله كله ، وإنه يردّ ذلك القيل بأن بعض القرآن قرآن في دلائل إعجازه ، وأن الإيمان بالجزء إيمان بالكل ، وأنه يصح أن يطلق سماع القرآن على سماع بعضه ، كما قال تعالى عن سماع الجن للقرآن ، إذ قال :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ . . .
( 29 ) [ الأحقاف ] وما سمعوا إلا جزءا منه .
وإنه لا وجه للاعتراض بأن القرآن لم يكن قد نزل إلا بعضه ؛ لأن الله تعالى يقول :
يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
وقد ابتدأ النزول ، فابتداء التنزيل المستمر نزول له كله ، كما قال تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ . . .
( 185 ) [ البقرة ] فما نزل فيه إلا أوّله ، ولكنه مستمر التنزيل إلى أن كمل الدين .
وإن الآية الكريمة تبين أن الإيمان الكامل بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما أنزل عليه من شرائع يتقاضى المؤمن أن يكون مؤمنا بكل النبيين السابقين وشرائعهم كما قال تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ . . .
( 152 ) [ النساء ] ولقد روى في الصحيح أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا