وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ . . .
( 78 ) [ النحل ] . فالله تعالى خلق الخلق ، وأودع كل نفس طريق العلم ، فأعطاه أدوات المعرفة كلها ، وجعل السمع يستمعون به والأبصار يبصرون بها ، والقلوب يدركون بها ، فمن جعل هذه الأدوات متجهة إلى النور فقد أبصر ، فيكون من المتقين ، ومن أحاطت به مادة الدنيا ، ولم ينفذ ببصره وقلبه إلى ما وراءها ، فإنه لا بد سائر في طريق الغواية ، مبتعد عن طريق الهداية ، وكل إنسان وما يسّر له ، فإن غلبت عليه السعادة اتقى ، وإن غلبت عليه الشقوة كفر .
والكفر في أصل معناه اللغوي السّتر ، ومن ذلك إطلاق الكفار على الزراع لأنهم يسترون البذر لينبت نباتا طيبا كقوله تعالى :
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ . . .
( 20 ) [ الحديد ] ، أي أعجب الزراع نباته ، وقد أطلق من بعد ذلك على ستر الفطرة وطمس الحق ؛ لأن الفطرة الإنسانية فطرة الله ؛ فطر الناس عليها تتجه إلى الحق ، وتدرك نوره ، فالكفر ستر نور الفطرة الذي ينبثق نحو الحقيقة ، كما يطلق الكفر على جحود النعمة ، وإنكارها ، ومن ذلك قوله تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
( 7 ) [ إبراهيم ] .
ومن ذلك ما روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ قال : « أريت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ، ورأيت أكثر أهلها النساء ، قيل : بم يا رسول الله ؟ قال : بكفرهن . قيل :
أيكفرن بالله ؟ قال : يكفرن العشير ، ويكفرن الإحسان ، لو أحسنت إليهن الدهر كله ، ثم رأت منك شيئا ، قالت : ما رأيت منك خيرا قط » « 1 » . وذكر الله تعالى الكفر من غير متعلّق فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
للدلالة على جحود كل خير ، فلا يكفر الكفار بالله تعالى وحده ، بل يكفرون بكل نعمة ، وينكرون كل خير ، وتغلب عليهم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري : كتاب الإيمان - باب : كفر دون كفر ( 29 ) ، ومسلم : كتاب الكسوف - باب : ما عرض على النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 907 ) .