ذكر الله سبحانه وتعالى أعلى صنف في الوجود الإنسانى ، وهم الذين علوا بنفوسهم وأعمالهم ، وذكر في مقابلهم الذين أركسوا أنفسهم في مهاوى الباطل حتى سدت عليهم كل مسالك الإدراك للحق ، ثم ذكر من بعدهم الحائرين بين الهداية والضلال ، يرون نور الحق ويبصرونه ، ثم يتركونه ، فيتركون الحق وقد بدت لديهم معالمه ، ويتجهون إلى الظلام ، وقد أشرق نوره ، ولمعت في الوجود شمسه ، وأولئك هم المنافقون .
وقد روى عن مجاهد أنه قال : أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين ، وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة آية في المنافقين « 1 » .
وقد تم بيان صفات المتقين ، ونبتدئ في آيتي الكافرين ، فقد قال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
.
بين سبحانه الذين يتقبلون هداية القرآن ، فينزل على قلوبهم كما ينزل الغيث على الأرض الطيبة ، فتنبت أطيب النبات ، وتثمر خير الثمر . وهم المتقون الذي جرى في القرآن الكريم في الآيات السابقة وصفهم . والكافرون جاء وصفهم في الآيات الكريمة على نقيض المتقين ، إذ إن هؤلاء المتقين امتلأت نفوسهم بالاتجاه إلى ما وراء المادة ، فلم يستول على قلوبهم بريق المادة ، ولم يستغرقهم سلطانها ، بل انفعلت نفوسهم متأثرة بما وراءها متعرفة أسرار الوجود من الموجود ، أما الذين كفروا فقد استغرقتهم المادة ، وسيطرت عليهم ، فلا يفكرون إلا فيها ، وفيما تحيط به ، والله سبحانه وتعالى خلق كل نفس ، وهداها ، فإن استقامت في إدراك الحقائق أوصلها إلى الحق ، وإن عميت واعوجّت ابتداء ، فلم تر إلا المادة سارت في طريق غير سوى . والله سبحانه وتعالى يقول :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي - تفسير سورة البقرة آية ( 8 ) .