العين ، وأن الحياة الدنيا ليست موضع إيمان ، فالحياة الآخرة وحدها هي الجديرة بالإيمان ، وكان التأكيد بكلمة
هُمْ
فهو تصوير لليقين بصورة الجملة الاسمية ، والجملة الاسمية تدل على بقاء اليقين واستمراره بحيث لا يضطرب ولا يتزعزع ولا ينسى ذلك اليوم أبدا .
وقد يقال ما موضع
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
من قوله تعالى :
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
؟ ونقول في ذلك إن قوله تعالى :
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
كما فهمنا ، وكما ذكرنا فيه أنهم لا يؤمنون بأن الوجود مادة ، ليس فيما وراءه وجود ، كأولئك الملاحدة الذين يظنون المادة هي « الموجود » وحدها ، بدون أن يكون وراءها ما يؤمنون به ، فذكر الله سبحانه وتعالى أن النفس التقية الخاشعة الخاضعة ، لا تقول : خلقنا الله عبثا ، بل تدرك بالفطرة أن وراء المادة معنى وحياة .
أما قوله تعالى :
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
فهي تخصيص من العموم ، والله ولى المؤمنين في الدنيا والآخرة .
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( 5 ) ذكر الله تعالى ما تحلى به المتقون الذين يؤمنون بما غيّبه الله تعالى عنهم ، ودلت عليه الفطرة ، والذين يقيمون الصلاة ، وينفقون مما رزقهم الله تعالى ، ويؤمنون بالرسالات الإلهية ، ويوقنون بالآخرة ، وبعد أن ذكر هذا ذكر سبحانه وتعالى حكمه - تعالت كلماته - عليهم ، مؤكدا ذلك ، فقال :
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ
وأولئك : إشارة إلى حالهم موصوفين بهذه الصفات قائمين بهذه الصفات ، والإشارة إلى الصفات وتعقيب الحكم بعد الإشارة يومئ إلى أن هذه الصفات هي علة الحكم بأنهم على هدى من ربهم ، وكررت الإشارة لبيان أن هذه الصفات أيضا هي سبب الفوز بالنعيم المقيم ، والبعد عن العذاب الأليم ، فالتكرار للتنبيه على أنها سبب للثانية كما هي سبب للأولى .