الصلاة فتتجه قلوبهم إليه ، وينفقون مما رزقهم الله تعالى على أنفسهم وعلى عباد الله تعالى إنفاقا في غير تبذير أو إسراف .
بعد ذلك بين الله تعالى أن من صفات هؤلاء المتقين أنهم من أجلّ صفاتهم أنهم يؤمنون برسالات الله إلى خلقه بالكتب المنزلة التي أنزلها قبل القرآن ، وبالقرآن المنزل من عند الله العلى الحكيم ، ويؤمنون بالشرائع التي جاءت في القرآن الكريم وفي الكتب التي أنزلت ، لا يفرقون بين أحد من رسله ، ولا بين كتاب من كتبه إلا أن يكون قد نسخ الله تعالى بعض أحكام في كتب أنزلها .
فقوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
هم المتقون الذين يؤمنون ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، وتكرار ( الاسم ) الموصول في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
لا يدل على المغايرة فيمن نزلت فيهم الآيات ، إنما يدل على المغايرة في الصفات ، وإن كان الموصوف واحدا ، كما يقول الشاعر :
إلى الملك القرم « 1 » وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم
وقد ادعى بعض المفسرين أن قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
إلى آخر الآية . إنما نزلت في اليهود الذين آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم : كعبد الله بن سلام وغيره ، وينطبق عليهم قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه ، وآمن بي ، ورجل مملوك أدّى حقّ اللّه تعالى وحقّ مواليه ، ورجل أدّب جاريته ، فأحسن تأديبها ، ثمّ أعتقها وتزوّجها » « 2 » .
والحق أن فصل
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
عن سياق ما قبلها من غير دليل - مخالفة لظاهر السياق من غير باعث يبعث على ذلك ، والسياق واضح متسق
هامش
( 1 ) القرم : السيد العظيم ، والجمع قروم . واستشهد به ابن كثير لمثل ما ذهب إليه المصنف رحمه الله تعالى .
( 2 ) متفق عليه [ أخرجه البخاري كتاب العلم ( 97 ) ، ومسلم - واللفظ له - كتاب الإيمان ( 154 ) ] .