تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
والله تعالى يعد الرزق نعمة ، وإذا أنفق في الحلال وكسب من الحلال كان من القربات التي يتقرب بها إلى الله تعالى ، ولا يتقرب إليه سبحانه بكسب يكون طريقه ليس بحلال خالص . ويروى أن رجلا يكسب من الغناء والضرب على الدف فقال : يا رسول اللّه أراني لا أرزق إلا من دفّى بكفّى فأذن لي بالغناء في غير فاحشة ، فقال له رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة ، كذبت أي عدوّ اللّه ، واللّه لقد رزقك اللّه تعالى حلالا طيبا ، فاخترت ما حرّم اللّه عليك من رزقه مكان ما أحلّ اللّه لك من حلاله » « 1 » . وفي العبارة السامية :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
إشارتان بلاغيتان : إحداهما : تقديم
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ
على
يُنْفِقُونَ
وفي ذلك بيان أنهم لا ينفقون من كسب خالص لهم بل إنهم ينفقون من رزق الله تعالى ، فهو وحده الرزاق إن شاء أعطى ، وإن شاء منع ، ولست أيها المنفق ترزق نفسك إنما يرزقك الله وحده ، فأنت تعطى من عنده ، وتجود على نفسك وعلى عباده من عنده ، فالتقديم للقصر أولا ، وللاهتمام بالإنفاق ثانيا . الثانية : أن الإنفاق لا يكون بكل ما رزق الله تعالى بل يكون ببعضه وإن كان الكثير ف « من » في قوله تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
للتبعيض ؛ أي : ينفقون بعض ما أعطاهم الله ، فلا يكونون كالمبذرين ، وإن المبذرين إخوان الشياطين ، والإنفاق في سبيل اللّه تعالى لا يستكثر فيه الكثير ، فكما قال ابن عباس رضي اللّه عنه : إنفاق ألف في برّ لا سرف ، وإنفاق درهم في غير برّ سرف . وإنما موضع الإسراف أو الزيادة في الإنفاق على نفسه ، والله تعالى عليم خبير .
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
بعد هذه الأوصاف الذاتية التي يؤمنون فيها بالغيب ، فتخشع قلوبهم لذكر الله ، ويقيمون
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة : كتاب الحدود : باب المخنثين ( 3613 ) .