وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
كانت الصفة الأولى للمتقين إيمانا بالغيب ، وما يكنه من مستورات عن المحسوسات ، تولد في النفس الخشية ، والإحساس بحاجة الجسم إلى الروح ، وبأن الروح فيما وراء المشاهد هي التي تسيّر هذا الوجود الإنسانى ، وأن الله تعالى لم يخلق الإنسان إلا ليحاسب على ما قدم من شر أو خير ، وأنه سيرى ما اكتسب إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
بعد ذكر هذه الصفة النفسية ، ذكر صفتين أخريين تنبعثان من النفس ، ولكن لهما مظهر عملىّ ، وهما إقامة الصلاة والإنفاق مما رزقه الله سبحانه وتعالى .
والصلاة أصلها على وزن فعلة ، من صلى ، فأصل الصلاة صلاة ، فنقلت فتحة الواو إلى ما قبلها ، فصارت صلاة ، والصلاة كانت معروفة عند العرب بأنها الدعاء . ومنه قوله تعالى :
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
( 103 ) [ التوبة ] وإطلاقها على الصلوات الخمس من قيام وقراءة ، وركوع وسجود ، وتحيات - اصطلاح إسلامي .
ولقد فسر بعض العلماء الصلاة هنا بالدعاء ، أي الضراعة إلى الله تعالى ، والاتجاه الروحي إليه راجيا ما عنده مؤمنا به مستجيبا لقوله تعالى :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
( 55 ) [ الأعراف ] .
ولكن الأكثرين - وهو الظاهر الذي يبدو من القول - على أن المراد بها الصلاة المكتوبة ، وإن الاتجاه الروحي بالضراعة والدعاء تتضمنه الصلاة المكتوبة ، وإن الصلاة قد فرضت في مكة ، وصارت متعارفة ، كغيرها من الكلمات التي كان في معناها عموم ، ثم خصصها الإسلام .
وإقامة الصلاة الإتيان بها مستوية مقومة معدلة قد استوفت أركانها ظاهرا وباطنا ، فكانت مشتملة على الخشوع والحضور ، واستحضار عظمة الله تعالى في