وفسروه بالقرآن وما فيه من أخبار الملائكة واليوم الآخر ، والجنة ، والنار . وقال آخرون : الغيب كل ما أخبر به الرسول صلى اللّه عليه وسلم مما لا تهتدى العقول إليه من علامات الساعة والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة . . . إلخ .
والحق أنه لا تعارض بين هذه الأقوال ، بل هي متلاقية في جملة معانيها .
وإنّا نرى أن الإيمان ، بالغيب هو الإيمان بما وراء الحس من أمور غيّبها الله تعالى عن عقولنا ، وبيان ذلك أن الناس قسمان : ضالون ومتقون . .
فالضالون هم الذين لا يؤمنون إلا بالمادة ، ولا يعرفون غيرها ، وينكرون ما عداها ، ويقولون : إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ، ولا يؤمنون بشيء وراء ذلك ، ويقول قائلهم : الطبيعة خلقتنا ، ونردّ إليها ، فلا يؤمنون بإله ولا بروح إلا أن تكون عرضا من أعراض المادة ، وهؤلاء منهم الملاحدة ومنكرو الأديان .
والقسم الثاني : أمارتهم أنهم يؤمنون بالحس على أنه خاضع للغيب ، فهم لا يقصرون إيمانهم على ما يحسون وما يرون وما يبصرون ، بل يؤمنون بأن وراء المادة عالما كبيرا ، وأن مدبر الكون ومنشئه ، هو صاحب السلطان المطلق فيه ، فلله تعالى محيانا ومماتنا .
إن فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة هو الإيمان بالغيب ، فالمؤمن أول خلاله الإيمان بالغيب ، والزنديق لا يؤمن إلا بالمادة .
إن الإيمان بالغيب يجعل النفس دائما خاضعة متطامنة « 1 » لا تستنكف عن عبادة الله تعالى ولا تستكبر ، ولقد كان ذلك ل :
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ
( 33 ) [ ق ] وإذا كان الإيمان بالغيب يولد الخشية في النفس ، فذلك هو لب الإيمان كما قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
( 12 ) [ الملك ] .
هامش
( 1 ) تطامن : بهمز وبغير همز : سكن وانخفض . الوسيط : ( طمن ) .