ثم أخبر عنه أنه هدى للمتقين ، فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق ، ونظمت هذا التنظيم السّريّ « 1 » ، من نكتة ذات جزالة ، ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه ، وفي الثانية ، ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة : الحذف ووضع المصدر الذي هو موضع الوصف الذي هو هاد ، وإيراده منكرا ، والإيجاز في ذكر المتقين ، زادنا الله اطلاعا على أسرار كلامه ، وتبينا لنكت تنزيله وتوفيقا للعمل بما فيه .
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
هذا هو الوصف الأول للمتقين الذين يتلقون هدى الله تعالى كما تتلقى الأرض الطيبة الغيث فتأتي بأطيب الثمرات . والإيمان :
التصديق ، ويتعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتراف والإقرار والإذعان ، والخضوع ، ويتعدى باللام ويتضمن حينئذ معنى الاستسلام أو الاستجابة كما قال تعالى :
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا . . .
( 17 ) [ يوسف ] قوله :
فَما آمَنَ لِمُوسى . . .
( 83 ) [ يونس ] ، ومن ذلك ما حكى الله تعالى عن اليهود إذ يتآمرون فيقول بعضهم لبعض ،
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ . . .
( 73 ) [ آل عمران ] .
وأول وصف من أوصاف المتقين الذي يميزهم - وهو في غالب أحوالهم سبب لتقواهم - الإيمان بالغيب . والغيب : كل ما يغيب عن الشخص ، ويستتر ، ولقد فسره العلماء بما يتفق مع أن يكون وصفا للمتقين ، فقالوا أقوالا مختلفة في ألفاظها ، وتتلاقى في مضمونها أو المراد منها - فيما نعلم - كلها ، ففسروه بأن الغيب هو الله تعالى ؛ لأننا نؤمن به ولا نراه ، فالبرهان يوجب الإيمان به ، وهو لا يرى بالحسّ بل يرى بالقلب ، وفسروه بأنه القدر ، وفسروه بأنه الإيمان بالملائكة ،
هامش
( 1 ) السرى : الشريف . من سرو سراوة ، وسروا ، شرف . فهو سرىّ ، والجمع : أسرياء ، وسراة .