تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
نقول في الإجابة على ذلك : إن المراد بالمتّقين ليس من وصلوا إلى أقصى درجات الهداية إنما المراد من شارفوها وطلبوها وأرادوها ، وحاولوا الازدياد من العلم ، ولم تكن قلوبهم متحجرة ، مبلسة لا تسترشد ولا تهتدى ، وبيان ذلك أن الله تعالى خلق النفوس وسواها ، وألهمها فجورها وتقواها . فمن النفوس من فطرها الله تعالى على الفطرة المستقيمة المدركة للحق في ذاته ، التي تتجه إلى الحق تبتغيه وتريده ، وتظل في حيرة حتى تجد المرشد من السماء برسول مبين يرشدها إلى صراط مستقيم ، كأولئك الحنيفيين الذين رفضوا عبادة الأوثان لأنها لا تنفع ولا تضر ، ولا يتّبعها إلا الغاوون . إن هذه نفوس متقية تبتغى الرشاد ، فتكون مصغية للحق عند الدعوة إليه متبعة للنور إذا أشرق ، وهذا ما نراه موضعا للتعبير بقوله تعالت كلماته :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
. والمتقون مشتق من الوقاية ، يقال : وقاه الله تعالى ، ووقى نفسه السوء ، وقال تعالى :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( 9 ) [ الحشر ] . واتقى : افتعل ، من وقى ، فهي في أصلها : اوتقى ، ثم قلبت الواو تاء ، فأدغمت في تاء الافتعال ، فصارت اتقى ، ومنه أخذت التّقى ، والتّقاة ، كما قال تعالى :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( 102 ) [ آل عمران ] . والمتقون مراتب في إدراكهم لتقوى الله تعالى ، وأعلاها : إدراكهم لمعنى الحق وخضوعهم لما يطلبه ، وإنهم بهذا يطيعونه ويستجيبون له ، ويلتزمونه ، وينطبق عليهم قول الله تعالى :
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى . . .
( 26 ) [ الفتح ] فإذا علا في نفوسهم طلب الحق والاستعداد له ، تركوا شر الأشرار مهتدين بهديه ، وتجنبوا الإساءة إلى غيرهم ، فإذا ساروا في مدارج الهداية والتقوى نزهوا أنفسهم عن كل ما يخالف الحق ، وصارت قلوبهم نورا مبصرا ، وكانوا أولياء الله تعالى ، وينطبق عليهم