تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩

في سورة الأحزاب

قال اللّه سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
[ الأحزاب : 14 ] . اعلم أن الذّكر الكثير هو : ما كان بالقلوب ، والأعمال ، والأحوال ، كما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يذكر اللّه تعالى في كل الأحيان ، فإن من كان مع اللّه تعالى في جميع حالاته ؛ فهو ذاكر له تعالى سواء قارنه الذكر اللساني أو لا . فالكثرة هنا عبارة عن : الاستيعاب والإحاطة بجميع الأوقات والحالات ، كما أن القلة في قوله تعالى في حق المنافقين :
وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
[ النساء : 142 ] عبارة عن العدم : أي لا يذكرون اللّه تعالى إلا ذكرا هو ليس بذكر عنده تعالى ؛ لأنهم إنما يذكرون باللسان فقط ، والذكر اللساني المجرّد عن اعتقاد الجنان وإخلاصه قليل معدوم بالنسبة إلى الذكر القلبي ؛ لأن المقصود عمارة الباطن لا عمارة الظاهر ، فظهر أن الخلوص بمنزلة الإكسير الخالص في القلب . ومن هنا كان يرفع لبعضهم في يوم واحد عمل أهل الأرض كلها ؛ بل عمل أهل السماء ؛ لأن الكامل منا إنما يذكر اللّه تعالى بكل أسمائه بخلاف الملائكة ؛ فإن ذكرهم مخصوص بأسماء مخصوصة ؛ ولذا قالوا :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] ؛ وهو مقام الروحانية بحسب أسماء الروح إذ ليس لهم الترقّي إلى مقام السرّ ، وسرّ السر . ولذا ذهب بعضهم إلى أنه ليس لهم مقام الرؤية ، والظاهر أن لهم ذلك من مرتبتهم الروحانية ؛ فهم يرون اللّه تعالى بأبصار الأرواح لا بأبصار الأسرار ، وأبصار الأسرار أكشف وأجلى من أبصار الأرواح ؛ لأنه كلما حصل الترقّي ؛ ازداد التجرّد ، وكلّما ازداد التجرّد ؛ حصل كمال الوصول ؛ بل الحصول فافهم جدا ، واعبد ربك إلى أن يأتيك اليقين الذي ليس فوقه يقين . وقال اللّه تعالى :
قُلْ
[ الأحزاب : 16 ] . يا صاحب الفناء ، والبقاء على الوجه الأكمل ، كما دلّ عليه شرح صدره : ففيه الرتبة العلياء ، والفضيلة العظمى ، والجمعية ، قال عز وجلّ
لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ
[ الأحزاب : 16 ] .