تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧

في سورة الروم

قال اللّه تعالى :
فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
[ الروم : 50 ] . اعلم أن وجه الإنسان عند مسّ الهمّ ، ووقت الغمّ ؛ كوجه الأرض في الشتاء حيث إن كلّا منهم يتغيّر عن حاله ؛ وهو موته ، ثم يحييه اللّه برحمته التي هي المطر بالنسبة إلى الأرض ، والسرور بالنسبة إلى القلب ، وأثر تلك الرحمة ؛ الخضرة في وجه الأرض ، والانبساط في البشرة ، فقد أشارت الآية بأن ذلك الموت ليس بمستمر ؛ بل يتعقّبه الحياة على ما يقتضيه الأسماء الإلهية الحاكمة على هذا العالم ، المدبّرة في الأنفس ، والآفاق المؤثّرة في الظاهر والباطن . ولمّا كان ذلك موقوفا على النظر الصحيح ؛ قال : فانظروا ، ونظير ذلك الليل والنهار والنوم واليقظة ، والسحابة على وجه الشمس ، والانكساف والكدورة للماء وصفوته ، ثم الموت والحياة المذكوران ، وإن كانا مجازيين عند أرباب الظاهر ؛ لكنهما حقيقتان عند أهل الباطن . فإن للأرض روحا نباتيا ، كما أن للإنسان روحا حيوانيا بل للإنسان روح نباتي أيضا به يشتهي الأكل والشرب ، وبه تربيته في بدنه لا بالروح الحيواني ، وإن كان الروح الحيواني مبدأ الحسّ الحركة . فالفرق بين الأرض والإنسان : أن للأرض روحا نباتيا وروحا [ جماديا ] . فالأول : يدركه العامة . والثاني : يدركه الخاصة . وإن للإنسان روحا نباتيا وروحا حيوانيا بالفعل ، وروحا حقانيا بعد مفارقة الروح الإنساني ، فالميت جماد في الصورة حتى في المعنى بالحياة الحقانية ، فإذا لا موت للعالم بالكلية وإنما هو باعتبار . ومن ذلك يعرف أن المحجوب يحمل كلام الجمادات ، وتسبيحه على معنى الدلالة . وأمّا المكاشف فعلى الحقيقة ؛ لأن المحجوب لا يسمع تسبيح الأشياء مطلقا ؛