الحقيقي ؛ فإنه يعلم أن الباقي بدلّ عن الفاني ؛ فيختار الباقي على الفاني ، فيجتهد في الأسباب ، ويتمسّك بتوفيق رب الأرباب .
ثم إن الهارب عن الموت إنما هو هارب عن الحق ؛ لأنه موصّل إليه ، فإذا بعد عن الموت ؛ بعد عن الحق ؛ لكنه قد يخلّي ونفسه ؛ فيزداد بعدا إلى بعد ، وقد يدركه التوفيق ؛ فيقبل الحق إليه ، فيمنعه عن الهرب ؛ فيكون طالبا للحق بعد ما كان هاربا منه .
وإليه الإشارة بقوله : « عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل « 1 » » فقوم يقاد إلى الجنة نفسها بالإيمان والطاعة ، وقوم يقاد إلى رب الجنة بالعشق والمحبة ، وكلّ يجري على ما قضاء اللّه تعالى ، فطوبى لأهل الإقبال ، وكل الخسارة لأهل الإدبار ، ومن يضلل اللّه فما له من هاد ، اللّهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهّاب » .
قال اللّه سبحانه :
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ
[ الأحزاب :
40 ] .
في هذه الآية إشارات :
الأولى : إنه تعالى سلب أبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للأمة ؛ رعاية لظاهر المقام ؛ فإن أبا البشر ؛ هو آدم عليه السّلام ؛ فهو أبو محمد ، وأبو الأنبياء ، وأبو الأمم كلهم إلى قيام الساعة ، فمن كان منهم أبا ؛ فهو أب اعتباري لا حقيقي ؛ كنوح عليه السّلام ، فإنه الأب الثاني من حيث إن تناسل البشر منه بعد الطوفان ؛ كتناسلهم من آدم بعد الهبوط ، ولمّا كان لكل مرتبة حكم مخصوص ؛ نفى اللّه تعالى الأبوّة عن محمد صراحة ، وأثبتها لآدم ضمنا .
والثانية : إنه تعالى نفى الأبوّة عن محمد لا عن أحمد ؛ فإن أحمد أبو الأرواح ، كما أن آدم أبو الأجسام ؛ ولذا صرّح بالرجال ، فإن الأبوّة الجسمانية ؛ إنما هي للرجال ، ودخل فيها النساء .
هامش
( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 2 / 302 ) .