أيتها القوى الطبيعية ، والنفسية التي بها قوام ظاهر الوجود من الموت الذي يحصل بالجذبة الإلهية بسبب سماوي خفي لا يدركه أكثر العقول وهو الفناء عن الأنيّات الناطق به قوله تعالى :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[ الزمر : 30 ] .
فإنه يشير به إلى الفناء عن أنيّات القوى الظاهرة والباطنة جميعا ، واسم هذا المقام هو الجلالة إذ لا نفي هنا أصلا ، وإذ لم يكن نقي لم يكن إثبات ؛ لأن الفاني المستغرق لا نفي له ، ولا إثبات .
أو القتل : وهو ذبح بقرة الطبيعة ، وكبح النفس بالرياضات الشاقة ، والمشاهدات الغالبية ، فهذا الموت موت إرادي ، اختياري ، مبني على الكسب ، والموت الأول أيضا كذلك ؛ لكن مبني على الجذب الإلهي بلا سبب ظاهر من طرف الفاني .
وقال عز وجلّ :
وَإِذاً
[ الأحزاب : 16 ] : أي حين الفرار من واحد من الموتين ، كما قال تعالى :
لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
كما قال تعالى :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
[ النساء : 77 ] وهو العمر الفاني وإن كان ألف سنة مثلا .
وذلك أن في الموت بأحد الوجهين حياة معنوية طيبة باقية دلّ عليه بقاء الآثار ، وعدم انحلال الصورة إلى يوم الحشر والنشر ، وفي البقاء بالحياة الصورية موت معنوي في الحياة الدنيا ، وإلى آخر الأعصار ؛ لأنها حياة فانية لا اعتداد بها أصلا عند الحياة الباقية ، وإن امتد زمانها .
والحاصل أن في الموت بالموت الاختياري حياة باقية ، وإن قلّ زمان الحياة الصورية ، ولا حياة في الموت بالموت الاضطراري ، وإن كثر زمان العيش الصوري ؛ لأن الاعتبار بالباقي بالفاني ، وفي الآية ترغيب إلى الموت بالموت الإرادي ؛ ليحصل العيش الباقي ، وترهيب عن البقاء بالحياة الصورية ، فصاحب الأول إنسان حقيقي ، وصاحب الثاني إنسان حيواني ، ونسبته إلى الإنسانية نسبة الميت إلى الإنسانية ؛ إذ لا إنسانية بعد الموت إلا صورة .
فكما أن الميت إنسان صورة فقط ، فكذا الإنسان الحيواني ، فهما مشتركان في الخلو عن أثر الحياة ، وفيها أيضا رمز إلى أن الإنسان الحيواني محبوب عنده الحياة الصورية ؛ لانحصار نظره في آثارها ، فلا يحب الموت والفناء عنها بخلاف الإنسان