قوله عز وجلّ :
ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
[ القصص : 61 ] .
أمّا كفار الشرائع : فإحضارهم للعذاب الجسماني والروحاني جميعا ، فإنهم أضاعوا الروح الحيواني والإنساني جميعا ، فلهم في مقابلة كل منهما عذاب مخصوص .
وأمّا كفار الحقائق : فإحضارهم للعذاب الروحاني فقط ؛ لأنهم إنما أضاعوا الروح الإنساني من حيث إنهم لم يبلغوا به إلى كماله اللائق ؛ فوقعوا في نار الحسرة ، وإن نجوا من النار الحسّية باستعمالهم الأعضاء ، والقوى الحسية في الأعمال الصالحة المبنية على الإيمان في الجملة ؛ وهو الإيمان الرسمي .
وإنما قيّد بيوم القيامة مع أنهم من المحضرين الآن ؛ لأن كثافة نفوسهم منعتهم من إدراك العذاب في الحال ، كما دلّ عليه قوله : « الناس نيام فإذا ماتوا استيقظوا » « 1 » ؛ فتيقّظ الموت الاضطراري الطبيعي في الآخرة ، وتيقّظ الموت الاختياري السلوكي في الدنيا ، فمن تيقّظ في الدنيا ؛ ألهم فجور نفسه وتقواها ، ومن تيقّظ في الآخرة ؛ علم الحال عندما لم ينفعه علمه ، أيقظنا اللّه ، وإياكم أجمعين .
* * *
هامش
- هذا فيما يعطى الترقي والتلقي مع الجاذب الملكي ، والدليل النبوي .
وأما فيما تعطى التتنزلات الربّانية بالبطانات السريانية ، فتخصيص لا يعقل سره ولا يدرك كنهه .
واعلم أن الاسم الذات المتّصف بجميع الصفات بالذات يتجلّى على أسماء الصفات الذات الوجودية ، فيستغرقها في الذات ، فإذا صارت ذوات وكلمات تامات تجلّت على ما يليها من أسماء الأفعال ، فرقتها إلى مقاماتها التي عنها انتقلت ، فإذا كانت الأفعال صفات للذات نقلت المفعولات بالتجليات إلى مقام الأفعال ، ثم يبرز الحيوان من أفلاكه الأربعة الطباع لإحكام الترتيب للأوضاع ، والأمر كذلك ولا نهاية لذلك ، أسرار تتنزل بالإلهية إلى الحيوانية ، وتترقّى بالروحانية إلى الرحمانية ، وما بين هذا التنزل والترقّي فقعرات سجينيات أرضيات ، ودرجات رضوانيات سماويات ، وحضرات وغير حضرات ، وعوالم مفترقات ، فسبحان من لا يدرك كنهه ، ولا يبلغ شأوه ، ولا ينفد أمره .
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 7 / 52 ) ، وذكره العجلوني في كشف الخفا ( 2 / 525 ) .