تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣

في سورة القصص

قوله عز وجلّ :
وَقَتَلْتَ نَفْساً
[ القصص : 40 ] . وهي النفس الحيوانية ، وبقرة الطبع ، وذلك بالرياضة والمجاهدة التي هي أشدّ من السيف الماضي الصارم . والتنكير : يشير إلى التهويل ، فإن حقيقة النفس لا يعرفها كل أحد ، ولا يقطع عرقها كل مجتهد ؛ فهي أشدّ من الثّعبان ، ونسأل اللّه العفو على قتلها . قوله تعالى :
فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ
[ القصص : 40 ] . : أي من غمّ حياة النفس ؛ فإن حياتها باعث الغموم ، وسبب الهموم إذ ما من تنزّل وسقوط إلا وببطشها يحصل ، وما من تلوين واضطراب إلا وبتسويلها يتمكّن ، فما دامت النفس حية ؛ فهي حية تسعى ، ولا يؤمن شرها . وقوله عز وجلّ :
وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً
[ القصص : 40 ] . أي : قبل هذا ؛ لأن باحتمال الشدائد ، يحصل النجاة ، وبمقامات المحن ؛ يوجد المنحة ، ويمكن أن يحمل الفتون والاختيار على ما بعد نجاة القلب من أثر النفس والقالب ، وذلك لأن النبوة ، وكذا الولاية التي تقتضي البقاء ؛ تقتضي التبليغ الذي لا يخلو من معالجة الناس ومعاملتهم ؛ وهم هم في الركون إلى الشهوات ، والميل إلى الأمور الطبيعية ، والمعارضة بالمخالفات النفسانية ، وذلك من حكم الاسم الظاهر ، وإن صفا الباطن ، وزال الكدورة عن مرآة القلب . والحاصل : إن الأسماء الجلالية لا ترتفع أبدا ، كالنار ، فالقالب في النار ، والخليل سالم ، فعليك بهذه المرتبة حتى تكون أكمل الناس وأسعدهم ، وعلى كل حال ، فالمحقق يأكل السّم ، والحنظل ، والعارف يأكل الحلوى . وقد فسّره ابن عباس - رضي اللّه عنهما - بقوله : وطحنّاك طحنا ، كان الإنسان الكامل كحبة القمح لا يزال يطحن تحت حجارة القهر والجلال ، وذلك من أحكام هذا الموطن . وأمّا موطن الآخرة : فليس هنا للأكامل إلا اللطف ، والجمال قالبا وقلبا ، ظاهرا وباطنا ،
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
[ الروم : 60 ] فلا خلف فيه أبدا .