واعلم أن القائل بالبخت والاتفاق ينكر هذه القضية « 28 » وإنكارها مساوق لجواز الترجح بلا مرجح الذي لا يقول به الأشعري أيضا « 29 » . وذكر الفخر الرازي من قبلهم شبهات « 30 » منها أن احتياج الممكن إلى المؤثر إما في ماهية الممكن بأن يجعلها ماهية وإما في وجوده بأن يجعله وجودا وهما مستلزمان لسلب الشيء عن نفسه كما لا يخفى وإما في الاتصاف وهو أمر عدمي « 31 » .
والجواب أن أثر الجعل « 32 » وجود ارتبط لا الوجود وجود
شرح
- مثل كفتي الميزان ، وان المتساويين ما لم يترجح أحدهما على الآخر بمنفصل ، لم يقع ، ولو حظ انها خرجت عن الاستواء ، وتشبثت بالوجود مثلا ، علم أنها كانت محتاجة إلى المؤثر ، وبه صارت موجودة . فلو خفى بعض هذه التصورات ، خفى الحكم بالعرض . وهذا لا ينافي جلاء الحكم وأوليته .
( 28 ) . اي القضية المفطورة وهي أن المتساويين ما لم يترجّح أحدهما على الآخر بمنفصل لم يقع . ( ح . ح )
( 29 ) . لان الأشاعرة قائلون بالترجيح بلا مرجّح ؛ وبعبارة خرى ينكرون العلّة الغائية وان استلزم انكارها انكار الفاعل . وفي أول الفصل الثالث عشر من المنهج الثاني من المرحلة الأولى من الأسفار : « ومنهم من يتأهب للجدال بالقدح في ضرورة الحكم الفطري المركوز في نفوس الصبيان بل المفطور في طباع البهيمة من الحيوان ، الموجب لتنفره عن صوت الخشب والعيدان والسوط والصولجان » ( ج 1 - ط 1 - ص 49 ) . يعني بالحكم الفطري أن الترجيح بلا مرجّح قبيح ومحال ، أي انّهم قائلون بجواز الترجيح بلا مرجّح . وقوله الموجب لتنفره صفته للحكم الفطري ، وضمير لتنفره راجع إلى الحيوان ، اي ذلك الحكم يوجب فرار الحيوان عن صوت الخشب الخ . ( ح . ح )
( 30 ) . المباحث المشرقية ، ج 1 ، ص 206 . وأيضا المطالب العالية من العلم الإلهي ، الامام فخر الدين الرازي ، ج 1 ، ص 70 إلى 130 ، تحقيق الدكتور احمد حجازي السّقا ، ط 1 ، دار الكتاب العربي ، بيروت . ( م . ط )
( 31 ) . الاتصاف هو صيرورة الماهية موجودة ، وهو امر عدمي ولا يجوز أن يكون اثر العلة . ولمّا كان أمرا عدميا فلا يجوز أن يكون أول الصوادر بالذات ، ومع ذلك ثبوته لكونه من النسب بعد ثبوت الطرفين ، على أن الاتصاف أيضا ماهية فيعود السؤال بأن أثر الجاعل نفس الاتصاف أو وجوده أو الاتصاف بالاتصاف بالوجود ، وكذا الكلام في الاتصاف بالاتصاف حتى يتسلسل الأمر إلى لا نهاية . ( ح . ح )
( 32 ) . أي ، الجعل المتعلق بالوجود ، بسيط . فكان الجعل ، عند مورد الشبهة ، منحصرا في المولف . وهو -