الناشئة من كون الفعل ذا مصلحة أو الكراهة كذلك الناشئة عن كونه ذا مفسدة ، فان الفعل إذا اشتمل علي مصلحة ملزمة أو مفسدة كذلك يتعلق الإرادة الملزمة أو الكراهة كذلك به لا محالة ، وقد عرفت ان مقتضى ظاهر الامر والنهى ذلك ، فإنهما وان أمكن واقعا ان يكونا ناشئين عن مصلحة في نفسهما الّتي يعبّر عنها بالمصلحة في نفس البعث والزجر ولكنه خلاف الظاهر منهما .
إذا عرفت ذلك نقول : لا موجب لرفع اليد عن هذا الظهور في المخلوقين ، إذ تبدل الإرادة وتغيرها ليس بمحال في حقهم ، وكذا الجهل بالمصالح والمفاسد الكامنة في الأشياء ولذا ترى أنّه إذا صدر حكم من أحد الموالى الظاهرية ثم صدر منه نسخه يحمل ذلك علي الندامة والجهل ونحو ذلك ، ويحكم بحكم قطعي بتبدل ارادته وانفساخ عزمه .
وامّا في الحكيم علي الاطلاق جل شأنه فحيث كان تبدل الإرادة وانفساخ العزم مستلزما للجهل تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا لا يمكن ابقاء الامر والنهى علي ظاهرهما من كونهما ناشئين عن مصلحة في المتعلق أو مفسدة فيه ، إذ قد عرفت ان وجود المصلحة والمفسدة فيه يستتبع تعلق الإرادة به ، وتعلقها به واقعا يستتبع انفساخها وتبدلها عند النسخ ، وهو محال في حقه . وعلي هذا لا بدّ وان يكون كل واحد منهما محمولا علي خلاف ظاهره من كونه ناشئا عن مصلحة في نفس الانشاء والبعث ، ومن البديهي ان اظهار الانشاء لاظهار الإرادة الجدية من جهة وجود المصلحة في نفس انشائه واظهارها معقول ، وربما يكون متعلقا للدواعى العقلائية مع أنّه لا إرادة واقعا ولا كراهة أصلا ، فان اللّه تبارك وتعالى تارة ينشئ الحكم الوجوبي أو التحريمى ثم ينسخه من رأس ، وبه يستكشف ان المصلحة ما كانت في متعلق الأمر أصلا ولا المصلحة في متعلق النهى ، والصلاح انما كان في نفس هذا الانشاء واظهار وجود الإرادة من دون إرادة واقعا متعلقة بالفعل ولا كراهة ، وأخرى ينشئ الحكم الكذائي علي سبيل الدوام والاستمرار ثم ينسخ دوامه ، وبه يستكشف ان دوام الحكم لم يكن متعلقا للإرادة الواقعية ، بمعنى ان الفعل ما كان مشتملا علي المصلحة الموجبة لتعلق الإرادة علي الدوام والاستمرار ، وانما كان
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 489
مساهمون: المحقق الداماد
ص٤٨٩