تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
مشتملا عليها في الجملة وفي بعض الأزمنة ، فالمصلحة انما كانت في انشاء الحكم واظهار الإرادة علي نحو الدوام من دون ان يكون في الواقع الإرادة ، وانما يعلم بذلك علام الغيوب ، مع اطلاع النبي الصادع للشرع ، أو مع عدم اطلاعه لعدم احاطته بتمام ما جري في علمه تبارك وتعالى ، ولعل من هذا القبيل قضية إبراهيم عليه السّلام وامره بذبح إسماعيل ، هذا ملخّص الكلام في معنى النسخ في التشريعيات . وأمّا في التكوينيات فالظاهر أن النسخ فيها بمثابة النسخ في التشريعيات انما يكون بمعنى غير مستلزم للبداء المحال في حقه وانفساخ العزم والإرادة ، كما أوضحه في « الكفاية » بقوله : وأمّا البداء في التكوينيات بغير ذاك المعنى فهو مما دل عليه الروايات المتواترات إلى آخر كلامه قدّس سرّه فان مقصوده من قوله : بغير ذاك المعنى ، انما هو غير ذاك المعنى المستلزم للمحال المستتبع لانفساخ العزم وتغيير الإرادة كما يوضحه ذيل كلامه ، ومجمله ان الامر في التشريعيات والتكوينيات علي نحو سواء ، فكما ان في الأولى إذا ورد حكم ثم ورد نسخه لا بدّ وان يقال إن المصلحة كانت في نفس انشاء الحكم رأسا أو علي سبيل الدوام من دون إرادة واقعية متعلقة به ، كذلك في التكوينيات إذا اخبر اللّه تبارك وتعالى بواسطة نبيّه بثبوت شيء من وقوع العذاب أو غيره مما لا يقع أصلا أو لا يقع علي بعض التقادير مع أنّه تعالى اخبر بوقوعه علي وجه الاطلاق يستكشف بعد تبين الحال ان المصلحة انما كانت في نفس الاخبار به واظهاره من دون اطلاع النبي أو مع اطلاعه في بعض الحالات ، كما ربما يتفق لخاتم الأنبياء وأوصيائه الكرام صلوات اللّه عليهم ، ولعل من هذا القبيل امر يونس عليه السّلام بالاخبار بوقوع العذاب علي قومه من دون تعليق علي التوبة مع أنّه كان في الواقع معلّقا عليها ، والظاهر عدم اطلاع يونس عليه السّلام علي حقيقة الحال ، والمصلحة المتصوّرة في المثال الكامنة في نفس الاخبار لعلها كانت ايجاد التوحش والإنابة في القوم الّذي لا يكاد يوجد مع الاخبار علي وجه التعليق ، فتدبر . وقد انقدح من جميع ما ذكر ان مجرد كون الإرادة الجدية غير مطابقة للإرادة الاستعمالية لا يعد نسخا عرفا ، بل هو عبارة عن رفع أصل الجعل والانشاء في مقام