الاثبات ، فلا بد في جعل دليل ناسخا للآخر من ظهوره في هذا الرفع ، فلو لم يستظهر منه ذلك بل كان مجرد عدم وجود الإرادة علي وفق الحكم الأولى الّذي يحكم به العقل من جهة عدم صحة تعلق الإرادة بشيئين متنافيين ضدين كانا أو نقيضين لا يكون الدليل الثاني ناسخا للأول .
كما انقدح ان النسخ بهذا المعنى الّذي تصوّرناه في الباري تعالى لا يلزم ان يكون بعد حضور وقت العمل بل هو ممكن مطلقا سواء كان قبل ذلك أو بعده ، وهو واضح علي من اعطى النظر حقه وتأمل فيما أسلفناه . إذا عرفت ذلك نقول : العام والخاصّ المتخالفين لا يخلو إما ان يكونا مقارنين بحسب الزمان ، أو يكون الخاصّ متأخرا ، أو بالعكس ، فعلى الأول لا إشكال ظاهرا في أن الخاصّ يكون شارحا للمراد من العامّ بحيث لا ينعقد الظهور في العموم أصلا ، إذ هو بمنزلة القرينة المتصلة بالكلام الشارحة للمراد من ذي القرينة فحكمه حكم يرمى في قولك رايت أسدا يرمى فتأمل ، وعلي الثاني لا يخلو إمّا ان كان الخاصّ واردا قبل العمل بالعام أو بعده وعلي الأخير لا يخلو أيضا إمّا ان يكون العامّ واردا قبل حضور وقت العمل بالخاص أو بعده .
نقل وتحرير
ولا بأس بذكر كلام صاحب « الكفاية » قدّس سرّه في المقام فإنّه لا يخلو عن فائدة .
قال ما حاصله : انّه إذا كان الخاصّ مقارنا مع العامّ أو بعده قبل حضور وقت العمل به فلا محيص عن كونه مخصصا وبيانا ، وان كان بعده كان ناسخا لا مخصصا لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة فيما إذا كان العامّ واردا لبيان الحكم الواقعي وإلّا لكان الخاصّ أيضا مخصصا له كما هو الحال في غالب العمومات والخصوصات في الآيات والروايات ، وان كان العامّ واردا بعد حضور وقت العمل بالخاص ، فكما يحتمل ان يكون الخاصّ مخصصا يحتمل كونه ناسخا ، وان كان الأظهر الأول لكثرة التخصيص وندرة النسخ جدا ، وبذلك يصير ظهور الخاصّ في الدوام ولو كان بالاطلاق أقوى من ظهور العامّ ولو كان بالوضع ، هذا فيما علم تاريخهما ، ولو جهل فالوجه هو الرجوع إلى الأصول