قوله لا صلاة تدل علي عدم الصلاة عند عدم الطهور ، وامّا وجود الصلاة عند عدم الطهور أو عدمها عند عدمه فلا دلالة فيها عليه ، فلا يستفاد الشرطية ولا عدمها ، وهذا مما يبعد التزام أبى حنيفة له ، وسيأتي توجيه كلامه فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى .
الثانية : انك بعد ما عرفت عدم الخلاف ( الّا عن أبي حنيفة علي بعد ) في دلالة أداة الاستثناء علي مخالفة حكم المستثنى مع حكم المستثنى منه ولذلك يكون الاستثناء من الايجاب سلبا ومن السلب ايجابا ، لا بدّ وان تعلم بانّ هذه الدلالة مستفادة من المنطوق أو المفهوم ، بمعنى ان لقول القائل : جاءني القوم الّا زيدا ، مدلولين ، أحدهما : مجىء القوم وهو مستفاد من المنطوق ، وثانيهما : عدم مجيء زيد ، وهو مستفاد من الّا فيكون منطوقا ، أو هو من لوازم الحصر المستفاد من الا فيكون مفهوما ، والحق هو الثاني ، لأنّ المستفاد من الّا هو حصر الحكم المذكور في القضيّة بالمستثنى منه ولازمه عدم مجىء زيد ، فاستفادة حكم زيد انّما هو من الحصر المستفاد من الا ، لا أنّه مستفاد من الّا بالمطابقة أو التضمن كي يكون منطوقا .
الثالثة : انّ الّا يرد علي نحوين استثنائية ووصفيّة ، وامّا الاستثنائية فهو ان يفرض الحكم منبسطا علي المستثنى منه والمستثنى ثم يخرج منه ، كما في جاءني القوم الّا زيدا حيث حمل المجيء علي القوم الشامل للمستثنى أيضا ثم اخرج منها زيد اخراجا عن الحكم ، فالاستثناء والمخصّص المتصل والمنفصل في هذا الجهة واحد ، فكما ان قوله : أكرم العلماء ولا تكرم زيدا ، متصلا أو منفصلا يفيد شمول أكرم أوّلا لجميع العلماء ومنهم زيد ثم يفيد خروج زيد منها عن هذا الحكم ، فكذا أكرم العلماء الا زيدا يفيد أوّلا شمول اكرام لجميعهم ثم اخرج منها زيدا ، فالاستثناء يدلّ علي عدم مطابقة الإرادة الجدية مع الإرادة الاستعمالية كما في التخصيص . وانّما الفرق بين التخصيص والاستثناء هو ان الوجدان حاكم باستفادة أزيد من الاخراج عن تحت العامّ من الاستثناء ، لأنا نعلم بالوجدان ان ما يستفاد من قوله أكرم العلماء الا زيدا غير ما يستفاد من أكرم العلماء ولا تكرم زيدا ، وانّ استفادة نفى حكم المستثنى منه عن المستثنى انّما هو عن الحصر ، وانّ استفادته في
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 425
مساهمون: المحقق الداماد
ص٤٢٥