يشمل أدلة البراءة ما ليس مأخوذا في متعلق الأمر والنهى وكان علي فرض دخله دخيلا في الغرض والإرادة الواقعية يشكل التمسك بادلتها في المثال ، وكذا الحال فيما شك في التكليف وشك أيضا في أنّه علي فرض وجوده هل كان ثابتا بلسان البعث والانشاء أو بلسان الحكاية والاخبار فيختص أدلتها علي هذا المقال بما كان الاحتمال في البعث والزجر أو في متعلقهما فقط ولا أظن الالتزام به من أحد .
وقد انقدح بذلك كله امكان التمسك لنفى اعتبار قصد الامتثال بالاطلاق اللفظيّ والبراءة العقلية والشرعية ولأجل ذلك ترى ان الفقهاء في كل باب من الأبواب وكل واجب من الواجبات بل في كل المستحبات يجتهدون غاية الاجتهاد للظفر علي دليل دل علي اعتبار قصد القربة فان وجدوا دليلا وافيا وبرهانا شافيا حكموا باعتبارها وإلّا حكموا بالتوصلية وعدم اعتبار قصدها ، ولو كان الامر كما ذكره وتخيله لكان الحكم بالعكس فكان يلزم عليهم الاجتهاد في تحصيل الدليل علي التوصلية ، فإن كان فهو وإلّا لزم الحكم باعتبار قصد الامتثال ، وكل من تتبع بناء الفقهاء واطلع علي مشيهم في الأبواب يقطع بان بناءهم علي الفحص عن دليل الاعتبار لا عن دليل عدم الاعتبار مثلا في باب غسل الأموات نراهم يختلفون في وجوب قصد القربة وعدمه ، فقال بعضهم بالأول نظرا إلى أن تنزيل هذا الغسل منزلة غسل الجنابة وتشبيهه به ظاهر في المشابهة في جميع الخصوصيات وذهب الآخر إلى الآخر نظرا إلى أن دليل التنزيل ناظر إلى بيان المشابهة في كيفية الاعمال لا في جميع الجهات .
وكيف كان يظهر منهم الجزم بان في كل مورد فقد الدليل علي التعبدية كان مقتضى القاعدة عدم اعتبار قصد التقرب وليس ذلك إلّا لما ذكرناه من دلالة الاطلاق أو حكم العقل بالبراءة أو دلالة أدلتها عليها .
وبالجملة لازم ما ذكره قدّس سرّه الذهاب إلى اعتبار قصد القربة في كل مورد شك في اعتباره ولم يدل دليل علي نفيه بل لو شك في اعتبار الاخطار والقصد التفصيلي في النية ، فمقتضى ما ذكره اعتبار ذلك إذ كما لا يمكن التمسك بالاطلاق ولا اجراء البراءة في نفس
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه ) — صفحة 180
مساهمون: المحقق الداماد
ص١٨٠