ثمّ أقول هذا المقام ممّا زلّت فيه أقدام أقوام من فحول العلماء ، فحريّ بنا أن نحقّق المقام ونوضّحه بتوفيق الملك العلّام ودلالة أهل الذكر عليه السلام .
فنقول التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يتمّ عند الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح الذاتيّين ، وكذلك عند من يقول بهما ولا يقول بالحرمة والوجوب الذاتيّين كما هو المستفاد من كلامهم عليهم السلام وهو الحق عندي .
ثمّ على هذين المذهبين إنّما يتمّ قبل إكمال الدين لا بعده ، إلّا على مذهب من جوّز من العامّة خلوّ الواقعة عن حكم .
لا يقال : بقي هنا أصل آخر وهو أن يكون الخطاب الوارد في الواقعة موافقا للبراءة الأصليّة .
لأنّا نقول : هذا الكلام ممّا لا يرضى به لبيب ؛ لأنّ خطابه تعالى تابع للمصالح والحكم ومقتضيات الحكم والمصالح مختلفة - إلى أن قال - : « هذا الكلام ممّا لا يرتاب في قبحه نظير أن يقال الأصل في الأجسام تساوي نسبة طبائعها إلى جهة السفل والعلو ، ومن المعلوم بطلان هذا المقال » .
ثمّ أقول هذا الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الأمور في الثلاثة وحديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، ونظائرهما أخرج كل واقعة لم يكن حكمها مبيّنا من البراءة الأصليّة ، وأوجب التوقّف فيها .
ثمّ قال بعد : « أن الاحتياط قد يكون في محتمل الوجوب وقد يكون في محتمل الحرمة ، إنّ عادة العامّة والمتأخّرين من الخاصّة جرت بالتمسّك بالبراءة الأصليّة ، ولمّا أبطلنا جواز التمسّك بها في المقامين لعلمنا بأنّ اللّه تعالى أكمل لنا ديننا وعلّمنا بأنّ كل واقعة يحتاج إليها ورد فيها خطاب قطعي من اللّه تعالى خال عن المعارض ، وبأنّ كل ما جاء به نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله مخزون عند العترة الطاهرة ولم يرخّصوا لنا في التمسّك بالبراءة
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط بيروت ) — صفحة 11
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١١