وتردّده بين الوجوب والاستحباب وتعارض الدليلين وعدم النص قال : « ومن هذا القسم ما لم يرد فيه نص من الأحكام التي لا يعم به البلوى عند من لم يعتمد على البراءة الأصليّة ، فإنّ الحكم فيه ما ذكرنا كما سلف » « * » ، انتهى .
وممّن يظهر منه وجوب الاحتياط هنا المحدّث الأسترآبادي حيث حكي عنه في الفوائد المدنيّة أنّه قال : « إنّ التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يجوّز قبل إكمال الدين ، وأمّا بعد تواتر الأخبار بأنّ كل واقعة محتاج إليها فيها خطاب قطعي من قبل اللّه تعالى ، فلا يجوز قطعا ، وكيف يجوز وقد تواتر عنهم عليهم السلام وجوب التوقّف في ما لم يعلم حكمها ؛ معلّلين بأنّه بعد أن كملت الشريعة لا تخلو واقعة عن حكم قطعي وارد من اللّه تعالى ومن حكم بغير ما أنزل اللّه تعالى
فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
» « * 2 » .
شرح
قلنا : هذا أيضا من ذلك ، فإنّ التّعارض المذكور مع عدم ظهور مرجّح لأحد الطرفين ولا وجه يمكن الجمع به في البين ممّا يوجب دخول الحكم المذكور في المتشابهات المأمور فيها بالاحتياط ، وسيأتي ما فيه مزيد بيان لذلك ، ومن هذا القسم أيضا » إلى آخر ما حكاه عنه في الكتاب ، وهو كما ترى صريح في ذهابه إلى وجوب الاحتياط في مفروض البحث قول المحدّث : ( ثمّ أقول هذا الحديث المتواتر ) إلى آخره ، أقول : أراد بذلك الإشارة إلى أنّه فرض قيام الدليل على البراءة في الشبهة الحكميّة كان مقتضاه كونها الأصل الأوّلي في الأشياء فلا ينافي الخروج عنها من جهة قيام الدليل على وجوب الاحتياط في مطلق الشبهة الشامل للمقام ، وفي المقام قد ورد بطريق التواتر وغيره ما يقتضي وجوب الاحتياط أيضا فيلزم الخروج بهما عن مقتضى الأصل الأوّلي ، ولكنّك قد عرفت عند التكلّم في الأخبار ما في هذا الكلام فراجع .
هامش
( * ) الحدائق الناضرة : ج 1 ، ص 68 - 70 .
( * 2 ) الفوائد المدنيّة : ص 138 .