وما يثبت من المعلوم فإن اشتبه على شيء عملت بالاحتياط ، أفيزل قدم هذا العبد عن الصراط ويقابل بالإهانة والإحباط فيؤمر به إلى النار ويحرم مرافقة الأبرار ، هيهات هيهات أن يكون أهل التسامح والتساهل في الدين في الجنّة خالدين وأهل الاحتياط في النار معذّبين » انتهى كلامه .
أقول : لا يخفى على العوام فضلا عن غيرهم أنّ أحدا لا يقول بحرمة الاحتياط ولا ينكر حسنه وأنّه سبيل النجاة ، وأمّا الإفتاء بوجوب الاحتياط فلا إشكال في أنّه غير مطابق للاحتياط لاحتمال حرمته فإن ثبت وجوب الإفتاء فالأمر يدور بين الوجوب والتحريم ، وإلّا فالاحتياط في ترك الفتوى ، وحينئذ فيحكم الجاهل بما يحكم به عقله ، فإن التفت إلى قبح العقاب من غير بيان لم يكن عليه بأس في ارتكاب المشتبه ، وإن لم يلتفت إليه واحتمل العقاب كان مجبولا على الالتزام بتركه كمن احتمل أنّ فيما يريد سلوكه من الطريق سبعا ، وعلى كلّ تقدير فلا ينفع قول الأخباريّين ( 1 ) له إنّ العقل يحكم بوجوب الاحتياط من باب وجوب دفع الضرر المحتمل ، ولا قول الأصولي له إنّ العقل يحكم بنفي البأس مع الاشتباه .
شرح
( 1 ) الغرض أنّه بعد سدّ باب طريق الإفتاء للمجتهد المرجع من حيث تساوي أدلّة البراءة والاحتياط في نظره وعدم قدر متيقّن في البين بالفرض وعدم جواز الرّجوع للجاهل بالحكم الظاهري للمسألة إلى الأموات فلا محالة يرجع إلى ما يحكم به عقله من الوجهين على التقديرين ، ولا ينفع قول كل من المجتهد والأخباري له من حيث لزوم الأخذ به من حيث التعبّد لفرض عدم الدليل عليه ، وإلّا فلو فرض إيجابه للردع عن حكم عقله فلا إشكال في لزوم الارتداع لكنّه لا تعلّق له بما هو المقصود من البيان ، فإنّ النفع بهذا المعنى موجود بالنسبة إلى جميع موارد الرجوع إلى العقل في المسائل الاعتقاديّة كما هو ظاهر .