الشوق صفة انفعالية ، والمجرّدات فعليات محضة لا يكون فيها شائبة النقص ، فتدبّر .
ومنها : قوله قدس سره : إنّ الشوق يكمل شيئاً فشيئاً ، فتصير إرادة . وبعبارة أخرى قوله : إنّ الشوق البالغ حدّ نصاب الباعثية هي الإرادة ، غير مستقيم ؛ لأنّ الشوق يشبه أن يكون من مقولة الانفعال ، والإرادة تشبه أن تكون من مقولة الفعل .
فالشوق - بلغ ما بلغ - لا يمكن انقلابه عمّا هو عليه وصيرورته مقولة أخرى .
فإن اشتدّ شوقه إلى لقاء صديقه - مثلًا - اشتياق يعقوب عليه السلام إلى لقاء يوسف عليه السلام ولكن مع ذلك لا تكون له إرادة . ألا ترى أنّ الصائم المؤمن العطشان في أيّام الحرّ ربّما يشتاق إلى شرب الماء البارد اشتياقاً شديداً تامّاً - لا يوجد له ذلك في شيء آخر في أيّام حياته - ومع ذلك لا يريده ؟ !
وبالجملة : الوجدان أصدق حاكمٍ على أنّه إذا جعل في مرأى من الإنسان ومسمع منه شيئان ، بحيث يشتاق إلى أحدهما ، ولكن لا يرى في ارتكابه مصلحة ، ولا يشتاق الآخر بل ينزجر عنه ، ولكن يرى صلاحه في ارتكابه ، فيريد الثاني دون الأوّل ؛ تحكيماً لمقتضى حكم العقل .
فظهر ممّا ذكرنا : إمكان تعلّق الإرادة بأمر استقبالي ، بل أقمنا البرهان عليه ، فلاحظ .
ومنها : أنّه لو سلّم جميع ما ذكره في الإرادة التكوينية فلا وجه لمقايسة الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية ؛ بداهة إمكان تعلّق الإرادة التشريعية بالأمر الاستقبالي ؛ وذلك لأنّ الإرادة التشريعية - كما ذكرنا غير مرّة - هي إرادة التشريع لا إرادة فعل الغير منه اختياراً ، كما ذكره قدس سره .
فإذا رأى المولى : أنّ إتيان فعل في الغد - مثلًا - فيه صلاح ، ولكن لا يمكنه أن يأمر به في الغد - إمّا لضيق الوقت المضروب للعمل عن العمل ، أو لمانع آخر -
جواهر الأصول تقرير لأبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني — صفحة 96
مساهمون: السيد محمد حسن المرتضوي اللنگرودى
ص٩٦